وهذه الإجراءات ليست وليدة اليوم، وقد برزت بشكل واضح بعد الحرب العالمية الثانية، والتي خرجت منها كافة الأطراف إما مهزومة أو منهكة رغم الانتصار، وظهرت الحاجة الماسّة إلى التكامل في سبيل العيش المشترك، وتبادل المنافع، وهو ما قاد إلى ولادة اتفاقية بريتون وودز في العام 1944م، التي كان هدفها الخاص توفير آلية مناسبة وبنية لاستدامة النظام النقدي العالمي، والتي ستقود في النهاية إلى الهدف العام، والذي يكمن في خلق حرية للتجارة العالمية دون قيود صارمة.
وقد خرجت من رحمها العديد من الاتفاقيات والإجراءات وعلى رأسها صندوق النقد الدولي وتبعتها اتفاقيات اقتصادية وسياسية دولية.
ومن ذلك الحين أصبح الاقتصاد لصيقًا بالسياسة وتوأمها بشكل جليّ وعلاقة أبدية مثلما تنظر المبادئ الكاثوليكية للزواج، حتى غدا الاقتصاد هو المحرك الرئيسي للسياسة دون النظر لأي اعتبارات أخرى. وهو ما دفع الكثير من الدول إلى استخدامه كفاتورة سياسية يدفعها الطرف الآخر عند الخلافات السياسية أو العسكرية وكأداة ضغط للدول وإرسالها لمن يدور في فلكها.
وقد شهدنا في العقدين الأخيرين العديد من الأمثلة على استخدام الاقتصاد كأداة ضغط للسياسيين، والتي كان أبرزها العقوبات الاقتصادية على إيران لدورها الواضح في الإرهاب ومحاولة زعزعة الاستقرار الإقليمي وكذلك العراق إبان الاحتلال الكويتي وما تلاه. كما استخدمته إيطاليا في التسعينيات ضد تركيا واستخدمته المملكة ضد كندا والولايات المتحدة ضد الصين مؤخرًا في إجراءات اقتصادية محدودة.