الطلاق والعولمة

الطلاق والعولمة

الجمعة ٤ / ٠٥ / ٢٠١٨
ما زالت معدلات الطلاق التي تخرج كل فترة مرتفعة وصادمة، وسبب الصدمة أنه كان من المتوقع كلما زادت نسبة التعليم في المجتمع زاد الوعي لينتج عنه تطور السلوك، وتقبل الطرف الآخر مع وجود الاختلاف في الرأي والفكر؟ ولكن يبدو أني كنت مخطئا في ذلك الاستنتاج! ويبدو أيضا أن التعليم والثقافة ليسا بالضرورة يعلمان طبائع الحلم والصبر وحسن العِشرة.

في بعض الحالات المحدودة الطلاق أمر لا بد منه، وهو أبغض الحلال عند الله كما جاء في الحديث النبوي، ولكن في المقابل أن تصبح ظاهرة متنامية، فذلك يحتاج إلى إعادة نظر وإصلاح للخلل. من ناحية الأرقام، فحسب «إحدى الصحف المحلية» (7 / جمادى الأولى / 1439هـ): فقضايا الطلاق بلغت 53675 خلال عام 2017م، بمعدل 149 حالة طلاق يوميًا. وقد رأيت ملصقًا لإحدى الجمعيات الأسرية يذكر أن من بين كل ثلاث حالات زواج هناك حالة طلاق. وقد جاء في صحيفة أخرى بتاريخ (أبريل 2018) أن هناك عشرة آلاف صك طلاق خلال شهرين. ‏وبحسب التقرير البياني الشهري لوزارة العدل لشهر جمادى الآخرة 1439 هجري، فهناك 10490 عقد نكاح، و5258 عقد طلاق أي ما يقارب من 50%!.

وحتى لو قلنا إن الأرقام تحتاج إلى مراجعة وتدقيق لتؤكد وإلى دراسة منهجية أعمق، ولكنها تشير على وجه العموم إلى أنها مرتفعة جدا خصوصا لمجتمعنا الذي ما زالت فيه الروابط الدينية والاجتماعية والعادات الأسرية قوية.

وقد يقول قائل: إن قضية طلاق هي حرية شخصية! ولكن الجواب ان الأسرة هي المكون الطبيعي للمجتمع، واستقرارها هو استقرار للمجتمع ككل. وحتى الفيلسوف أفلاطون الذي هاجم ومزق نظام الأسرة لم يتخل عنها كليًا في الطبقة الثالثة للمجتمع وهي طبقة الشعب (ويقال أن أفلاطون تراجع عن كثير من أفكاره للمدينة المثالية أو الفاضلة في آخر عمره!). وأما عباس محمود العقاد -يرحمه الله- فقد قال: «لا أمة حيث لا أسرة، بل لا آدمية حيث لا أسرة».

ولا يتسع المقال لبحث الأسباب، لكن دعونا نمر سريعًا على بعض منها: قلة الاستعداد النفسي والفكري قبل الزواج، الفوارق والفجوات المالية والفكرية والاجتماعية، ومنها السلوك غير الأخلاقي، والإدمان على الكحول والمخدرات، فقدان التواصل بين الطرفين والتفاهم، والتقصير في الواجبات منهما. ومنها تأثير العولمة الثقافي المبني على الفرد (أنا ومصلحتي) لا نحن (الأسرة). ومن الأسباب التي كثر الحديث عنها مؤخرًا تأثير التقنية الحديثة من وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها.

من ناحية أخرى، هل تتفق معي أن هناك استسهالًا واستعجالًا في الطلاق في هذا الزمن مما زاد الأرقام و المعدلات؟!. وللأسف هناك أيضا تفاخر من البعض وإقامة حفلات للطلاق جعلها تبدو كأنها لعبة جميلة ومسلية!. وقد يشجع ذلك الآخرين على التساهل في قضية الطلاق لأسباب تافهة.

ولكن لو نظرنا إلى البيت النبوي كأنموذج يحتذى به، فقد سألنه زيادة النفقة المالية، وكانت بعضهن تخاصمه اليوم كله! وكن في بعض الحالات يجادلنه ويراجعنه في رأيه، وربما ارتفعت أصوات بعضهن!!. فلو كانت تلك أسبابا مقنعة ومبررة لكان طلق الرسول عليه الصلاة والسلام معظم زوجاته؟!. ولكنها رسالة واضحة من بيت النبوة للأجيال من بعده في كيفية تعلم الصبر والتؤدة والمروءة في التعامل مع طبيعة الأنثى.

وحتى لو ذهبنا بعيدًا وصعبت العِشرة وتطاحنت القلوب والمشاعر، فأين عقولنا عن قول العليم الحكيم: «فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا». وما يدريك، فلعل المودة تأتي بعد الشحناء والخصام. وقد جاء في الأثر عن علي -رضي الله عنه- «أبغض بغيضك هونا ما عسى أن يكون حبيبك يوما ما»، وقال محمد بن الحنفية -رحمه الله-: «ليس بحكيم من لا يعاشر بالمعروف من لا يجد من معاشرته بداً».

وختاما، إذا أردنا أن نُخلخل أي مجتمع، فعلينا بهدم نظام الأسرة والباقي سيسقط تبعا!

abdullaghannam@