«القدية» محددات الرخاء وبناء ثقافة السعادة

«القدية» محددات الرخاء وبناء ثقافة السعادة

السبت ٢٨ / ٠٤ / ٢٠١٨
دول كثيرة بدأت في الآونة الأخيرة تتخذ وزارات للسعادة، بعدما أصبحتْ السعادة هي أحد مؤشرات الرخاء الاقتصادي والاجتماعي، وبالأخص بعدما أدرجتها منظمات دولية متعددة الاهتمامات ضمن بنود المحفزات الإنتاجية، على اعتبار أن الشعوب التي تعيش بيئة سعيدة غالبًا ما تكون أكثر قدرة على الإنتاج، وبصرف النظر عن منطق الأكاديميات التي تتبنى هذه الرؤية، وتضعها على رأس أولويات برامجها في صناعة الرخاء، فقد ثبت بالتجربة أن الاحتقان والعبوس والمشاعر المحبطة هي في المقابل من بين أدوات التطرف، ومن هنا تصبح صناعة الترفيه ليستْ مجرد فسحة أو لهو كما قد يتصور البعض، بقدر ما هي ثقافة بناء مجتمع سوي، لا يطغى فيه جانب على آخر تماما كما هو المبدأ الإسلامي الأصيل: «إن لربك عليك حقا، وإن لنفسك عليك حقا، وإن لأهلك عليك حقا، فأعط كل ذي حق حقه»، وهو توجيه نبوي تربوي يعمد إلى صياغة الحقوق تأسيسًا على محددات الطبيعة البشرية التي من طبيعتها السأم، لذلك يلزم أن نتعامل مع الترفيه لا بمنطق «الملاهي»، وإنما بمنطق التخفف من الأحمال السلبية التي تعتري النفس، لتعيد تأهيلها مرحليا لاستقبال ساعات العمل بشكل أكثر تقبلا، وإبداعا، حتى لا يتحوّل العمل إلى آلية عمياء تفتقر للإلهام، والقدرة على الابتكار، وهو ما تنبهتْ له شركات عالمية كبرى، عندما وضعتْ برامج ترفيهية خاصة لموظفيها وأسرهم لتحييد مشاعرهم من احتمالات الملل الذي لا بد وأن ينعكس سلبا على الأداء.

رؤية السعودية 2030، حتى وإن لم تتحدث بإسهاب عن هذا الجانب، إلا أنه من الواضح أنها التقطتْ هذه الحاجة الماسة للمجتمع المحلي، ليس فقط من خلال ما ينفقه السائح السعودي على السياحة سواء في دول الجوار أو في أماكن الاصطياف، وإنما في انتهاز أقل الفرص للبحث عن الترفيه، وأدركتْ بالتالي أنها ما لم تبادر في مواجهة ذلك العبوس، بتوفير فرص الترفيه والمتعة البريئة فإنها لن تصل إلى ما تريد إزاء استثمار طاقات هذه الأكثرية الشبابية في تعظيم قيم الإنتاج، ومشروع القدية الذي يضع خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -أيده الله- حجر أساسه اليوم هو أحد هذه المشاريع التي تشتغل على إنتاج السعادة، والاستثمار فيها كمرتكز لبناء ثقافة الاعتدال، مع الاحتفاظ بأموالنا المهاجرة في بلادنا.
المزيد من المقالات