الحقيقة ليست في جيبك

الحقيقة ليست في جيبك

السبت ١٤ / ٠٤ / ٢٠١٨

كل شخص منا يلاحظ سلوكا أو يدرك حدثا ما بطريقة انتقائية مختلفة عن إدراك الآخر، تتداخل فيها العديد من العوامل، فليست أعضاء الإحساس وحدها المسؤولة بل هناك عوامل سيكولوجية أخرى تؤثر في استقبالنا وانتباهنا للأمور من حولنا.

في رواية «قطعة الخيط» للأديب الفرنسي Maupassant يلتقط «هوشي» بطل الرواية من الأرض قطعة خيط عديمة الفائدة، وحين لاحظ أن جاره المزعج ماندلان يقف على الشباك، ارتبك من سخافة فعلته وأخفى الخيط سريعا في جيبه، ولما سمع ماندلان شخصا في الشارع يشتكي من فقد محفظته تأكد باقتناع أن «هوشي» هو السارق.

تعمل تلك الأساليب الإدراكية المختلفة على تباين ترجمة المواقف بين الناس، بسبب تعدد قراءاتهم و فلترتهم للحدث، فهناك المتسرعون في نظرتهم للأمور، أو من يتوخون الدقة ويتفحصون التفاصيل، وهناك المتفائلون الذين يستمتعون بالرؤية من منظار البهجة، فحين يتعامل الدماغ مع أي موقف إدراكي لا يمكنه الإلمام بجميع الجوانب ومن كل الاتجاهات، فيلجأ إلى «الميكانيزمات الإدراكية» لانتقاء مثيرات معينة من الموقف، وينظمها حسب تقديراته لتبدو القراءة متسقة بالنسبة له، وفي المثال السابق من الرواية تتدخل بعض الملابسات الخارجية المتعلقة بطبيعة العلاقة المرتبكة بين الملاحظ للسلوك والفاعل للحدث، لتقوم بتشويه أو تحريف في ترجمة الحدث بما يتآمر مع الخبرات القديمة والمفاهيم الخاصة تجعل المراقب متأكدا أنه قبض على الحقيقة في جيبه.

هناك قصور دائم في إدراكنا للآخرين، والحكم على تصرفاتهم، فكل شخص ينظر لعالمه من خلال منظاره الخاص الذي يفسر به التصرفات كي تبدو متطابقة مع خريطته الإدراكية، لكن الخريطة ليست هي المنطقة بتاتا، كما يقول عالم الرياضيات (ألفرد كورزبسكي)، ويقصد أن إدراكك لأي شيء أو شخص لا يعني حقيقته بتاتا، وأن رأيك في بعض الأمور هي وجهة نظر مؤقتة، وعندما تتجدد مفاهيمك وخبراتك ستتغير قراءتك للحدث ويتسع المعنى.

LamaAlghalayini@

المزيد من المقالات
x