من جرف لدحديرة

من جرف لدحديرة

الثلاثاء ١٠ / ٠٤ / ٢٠١٨
جدتي موسوعة قصصية ضخمة لم تترك شاردة ولا واردة إلا حفرتها ذاكرتها بتمعن وروتها لنا بحب، أحيانا أراها مدرسة تاريخ متفردة فوق العادة «الله يرحمها» كنتُ الشَغوفة بها، ولقصصها التي كانت تغلِّفُها بشيء من الظرافة، كتقلِّد الأصوات، مرة صوت رقيق كسيندريلا، ومرة خافت كاللصوص، ناهيكم عن أصوات الذئاب والخراف والعصافير.

كانت قصصها متنوعة، أحيانا ذات طابع فكاهي يجعلني اضحك وتضحكُ هي أيضا! وأحيانا تحمل الطابع الدرامي المتكامل، الذي يجعلني أنبهر من طريقة سردها واندماجي بكل حواسي معها.


إلى أن تصل لجملتها الختامية (وعاشوا بخير وسلام).

فقدت جدتي، وفقدت قصصها أيضا!

ولم يتوقف الفقد إلى هذا الحد، بل تخطى واقعنا الذي كنا نراه مقترنًا بقصص جداتنا أو فيلم أو مسلسل دون البحث عن الرسالة المرتبطة لماذا كتبت أو في من.

ربما لأننا فقدنا شغف الحقيقة لرؤية وسماع واقع يلامس حقيقتنا أو على الأقل واقع مجتمعنا الشرقي.

على الرغم من أنّ رمضان تبقى عليه شهر وأيام قليلة، إلا أنّ كثافة الإنتاج الفني في الدراما الخليجية اشتعلت قبله، كم هائل من الأعمال التلفزيونية المبطنة تحت ذريعة «علاج المشكلات».

تأتي متزامنة مع عدد أيّام الشهر الفضيل لنكتشف حجم إساءة منتجيها للمجتمع الخليجي وقيمه والمسؤولية المجتمعية. حتى ان المجتمعات الخليجية أعلنت براءتها من تلك الأعمال التي تقدم باسمها وبلهجتها، لكن ما زالت القافلة مستمرة بمحتوى حدث ولا حرج، فلم يسعف الجهد المبذول في ملابس الممثلات ومكياجهن الذي يحتاج إلى شرح طويل ليجيء عمل مختلف عن غيره، حتى وان جاهد المنتج في إطالة عدد الحلقات، ولا أدري هنا من الذي حكم على أن يكون العمر الزمني لتلك المهزلة 30 حلقة بالتمام والكمال، ما المانع لو كانت خماسية أو أكثر أو أقل من ذلك. ربما تحتمت الضرورة أن يعمل الكاتب على تفكيك خياله ورميه في شلالات -نياقرا- ثم تكرار نصه بواقعية تجعله يصل إلى الصيغة الأنسب، وللتنويه فقط ليس بالضرورة أن يذهب عند الغروب إلى شاطئ ليجمع بنات أفكاره، لأننا لا نحتاج إلا لسيناريو حقيقي يتناسب مع طبيعة مجتمعاتنا الخليجية التي ترتبط بمسارات اجتماعية واقتصادية ودينية وسياسية وانثربولوجية محددة سلفًا.

درامتنا فقيرة بسبب المضمون الذي أصبح يَصْب على الجينزات الضيقة والفل ميك اب والبراندات وليس شيئًا آخرغير ذلك، أتعبنا الغثيان من تلك المشاهد التي نافست الأفلام الهندية، فكيف لنا أن نعيش مشهد امرأة تصحو من نومها بفل ميك اب وأخرى أنهكها فراق أبيها تبكي صبابة بكامل أناقتها لنكتشف أننا (سبيكة) أمام كل ذلك!

afrah.kalifa@gmail.com
المزيد من المقالات