الهوية الوطنية ومفرداتها

الهوية الوطنية ومفرداتها

الاحد ٨ / ٠٤ / ٢٠١٨
كنتُ ولا أزال من أشد المنادين بالمحافظة على الهوية المحلية لكل مدينة. سرّ تميّز أي مكان على وجه هذه الأرض في تقديري، هو تعدد هوياته الطبيعية، والبيئية، والثقافية، والفنية، والعمرانية، وغيرها، وثراء أي ثقافة وطنية وغناها ينبع بالدرجة الأولى من تمايز وتعدد هوياتها، حيث تشكّل مفردات الهوية الوطنية الكبرى متعددة الوجوه، وتعكس بالنتيجة حجم ثراء المكان أو الكيان وعمقه تاريخًا وفنًا وحضارة.

ولأن بلادنا أشبه ما تكون بالقارة فيما يتصل بالمساحة، فقد كانت أهمّ ميزها النسبية تعدد هوياتها المحلية، وتنوّع مفرداتها على مختلف الأصعدة، لكن «ولنعترف بهذا»، ونتيجة للمركزية أولًا، ثم عدم الوعي الكامل بأهمية مصادر التنوع في إثراء الهوية الوطنية الكبرى، لم يتم التعامل مع تلك الهويات المحلية بما تستحقه من الرعاية، بل لعل مركزية القرار وانطلاقًا من مبدأ السواسية تعاملتْ مع الجميع على قدم المساواة، حتى في تصميم بعض المباني الحكومية مثلا، على الرغم من تفاوت البيئة والمناخ، فأصبح استنساخ المكان هو السمة الأبرز، وهذا ينسحب أيضا على الفنون كالعرضة مثلا، والتي تمّ دمجها في إطار واحد، وعلى سبيل الفن العمراني لو أخذنا فقط الأثر الذي تركه فن القط العسيري الذي عرض خارجيًا في أكثر من مكان، وحجم الإعجاب الذي حصده من جمهور المشاهدين لأدركنا معنى أن نصرّ على عدم تضييع أي مفردة من مفردات هوياتنا المتعددة.

عموما.. الآن نحن أمام محطة مهمة جدا، رهانها الأساس على ثراء مدّخرات هذا الوطن، وأمامنا فرصة كبيرة لاسترداد ما أهملناه سابقًا، أو تجاهلنا قيمته، أو فرّطنا فيه، أو نسيناه، أو دفعتنا المركزية للتعامل معه بمسطرة الاستنساخ، لإعادة إحيائه من جديد، وهذا يستدعي وجود خطة وطنية موحدة، تناط مسؤوليتها بهيئة أو جهة معينة، لأنها الآن تتوزع على جغرافيا جهات عدة، ومن الصعب أن تتفق هذه الجهات على صيغة عمل واحدة، ولنا العبرة فيما تفعله بعض البلديات تحت مسمى التحسين أو التجميل مما يقترب من مرتبة العبث، ويقفز على كل ما لمدننا من الثراء إلى نماذج من التقليد البليد الذي لا يليق إلا بمن لا هوية له، أو التجريب الذي ما تلبث أن تكتشف أنك رأيته في صفحة ما من الانترنت.

fmsr888@gmail.com