عاجل

تقديم المظهر على الجوهر وأهمية الصورة الذهنية

تقديم المظهر على الجوهر وأهمية الصورة الذهنية

الثلاثاء ٠٣ / ٠٤ / ٢٠١٨
قد يقول قائل ان الجوهر أهم من المظهر، ولكن ربما يتم تبني هذا القول الى مدى مبالغ فيه، في نفس الوقت الذي يتم فيه إهمال المظهر الذي يساويه في الأهمية.

وأنا هنا أود تبني توجه -ولو مؤقتا- يقدم فيه المظهر على الجوهر، ويمكننا أن نشبه هذا التوجه بالعلاج التأهيلي الذي يؤدي الى المساواة بين المظهر والجوهر في الأهمية.


ومثالا على ما أقول هو منتج التمور، هذا المنتج المتميز في بلادنا الذي لا يختلف اثنان على جودته العالية والذي من الصعب أن تجد له منافسا في العالم -حتى الآن على الأقل- إلا أننا شُغلنا بجودة التمور عن تقديمها للمستهلك بمظهر فخم يليق بمستواها، وفي ذات الوقت ذهلنا بالاسلوب الراقي الذي تعامل به الأوروبيون مع تمور بلادنا، حيث قدموها للمستهلك بأسلوب مكنهم من بيع جرامات معدودة بأغلى الأثمان، في حين تباع لدينا الأطنان من التمور بثمن بخس وبأسلوب بدائي، ورغم الجهود التي تبذل في مهرجانات التمور السنوية، والتي تُظهر أساليب جديدة في تقديم منتج التمور بما يليق إلا أن الطريق طويلة لنصل الى المستوى المأمول في رأيي، والسبب لا يكمن في قلة الخبرة وإنما يكمن في عدم استشعار أهمية المظهر بما يكفي، فالمظهر يأتي في المرتبة الثانية بعد الجوهر دائما كما يبدو، غير مدركين أن في هذا الزمن أصبح المظهر والجوهر وجهين لعملة واحدة، فربما ما يحتاجه منتج التمور لدينا هو التفاتة بالغة الاحترافية لتكوين انطباع عند المهتمين بأن هذا المنتج هو الأجود بلا منازع، معتمدين في ذلك، ليس على جودة المنتج فقط، وإنما مستغلين أيضا البعد الثقافي والتاريخي المرتبط بهذا المنتج لدينا.

هذا التوجه لا ينطبق على المنتج الصناعي أو الغذائي فقط، وإنما ينطبق ايضا على الكثير من نواحي الحياة من حولنا، التي هي في جوهرها غنية أصيلة ولكن لم تتناولها يد محترفة تظهرها بالشكل المطلوب، مما يتسبب في رسم انطباع سلبي تجاهها أو -على الأقل- يقلل من قدرها، فلو تخيلنا مدرسة تضم أكفأ المعلمين، وتتميز بالجدية والإخلاص في إدارة العملية التعليمية، ولكن في نفس الوقت مقر المدرسة مهترئ ومتهالك، أي انطباع سيتركه مظهر تلك المدرسة في نفس من لا يعرفها (أو يعرف جوهرها)؟ بذلك قد تخسر تلك المدرسة انضمام الطلبة المتميزين الى صفوفها فقط لأنها لم تعتن بمظهرها ولم تعط الانطباع الإيجابي الكافي لمن يبحث عن التميز.

الاهتمام بالمظهر في كثير من الأحيان شيء محمود من أجل إضفاء شيء من الهيبة المطلوبة، فلو تمعنا في أفراد حرس التشريفات الذين يصطفون بكل بهاء لاستقبال ضيوف الدولة الرسميين، نجدهم يتميزون بطول القامة وتناسق الجسم وانضباط متناهٍ في الحركة، مما يعكس هيبة الدولة المضيفة ويترك أثرا في نفس الضيف، ومثله مثل دور القضاء التي تتميز بفخامة البناء وعلوه عاكسة بذلك هيبة مطلوبة للقضاء والعدالة في نفوس الناس.

الفهم المطلق بأن الجوهر أولى من المظهر الذي انطبع في نفوس الكثير من الناس تسبب في اهمال الاهتمام بالمظهر، أما من ساوى بين الاثنين في الاهتمام وحقق نجاحا يستحق الاحترام، فأعطى لمنتجه القيمة التي يستحقها، كما أعطى لنفسه الهيبة والمكانة التي يستحقها، وهذا ما يجب أن لا يهمله الكثير من الناس في كثير من المجالات، فالعالم اليوم ينظر إلى ما نقدمه بالمقارنة مع غيرنا، فإن لم يكن جاذبا مهيبا راقيا، فسيتركون ما لدينا ويتوجهون لما يبدو أفضل مما لدينا، فلنعد النظر في فهمنا وننظر للجوهر والمظهر على أنهما وجهان لعملة واحدة.

ialmahboob@gmail.com
المزيد من المقالات
x