الصين وتركيا تغزوان أوروبا

الصين وتركيا تغزوان أوروبا

الاثنين ٠٢ / ٠٤ / ٢٠١٨

لن يتعود بسهولة من يعرف أوروبا في العقود الماضية على ما أصبحت عليه في السنوات الأخيرة من انتشارٍ طاغٍ للسياح والمقيمين من شرق آسيا، ومن الصين على وجه الخصوص، حيث تمتلئ بهم الساحات الرئيسة في المدن الكبيرة، ولا تخلو عربة من القطارات من أحدهم، وكذلك محطات القطارات والمطارات والمطاعم والمقاهي وكافة الأنشطة الحياتية والترفيهية.

وسبب هذا الانتشار الأبرز بالطبع عائد بالدرجة الأولى إلى القدرات الاقتصادية الكبيرة، التي تتمتع بها دول شرق آسيا، وخاصة الصين، مما جعل دخل الأفراد كبيرا، وقدرتهم كبيرة على السياحة إلى كثير من بلدان العالم، وبالذات البلدان الأوروبية التي تعد السياحة فيها مكلفة. أما السبب الآخر فيعود إلى حجم الاستثمار المرتفع، الذي تقوم به شركات صينية متعددة، وبعض الأفراد في استثمارات متوسطة أو صغيرة، حيث أصبحت الأسماء التجارية الآسيوية (الصينية منها على وجه الخصوص) تحتل واجهات مهمة في كثير من المدن الأوروبية، كما تكاثرت المحلات، التي يملكها ويمارس البيع فيها أناس من ذوي السحنة الآسيوية. وأكثر تلك المحلات هي التي تحمل اسم تشاينا بازار أو بعض العبارات الأخرى المرادفة للأسواق أو البقالات، وتميزها الألوان الفاقعة والإضاءات البارزة، مما لم يعتد عليه الأوروبيون في لوحاتهم التجارية أو طريقة إعلاناتهم.

وفي تلك الأسواق تسود الثقافة الآسيوية بقوة، حيث يوجد كل شيء تقريبًا، وتكتظ الأرفف بالكثير من الأشياء المتنوعة وغير المتناسقة أحيانا أو المنتمية إلى النوع نفسه. وتوجد فيها بضائع غير متوفرة في بقية منافذ البيع، وبأسعار أفضل مما هو موجود في الأسواق المحلية الطابع، علاوة على أنها تكون مفتوحة لساعات طويلة، وخلال إجازات نهاية الأسبوع وبعض المناسبات، التي تكون الأسواق الأوروبية فيها مقفلة. مثلما أن أغلب البائعين فيها يجيدون اللغة المحلية بدرجة لا بأس بها، إضافة إلى القدرة على التحدث باللغة الإنجليزية.

أما مجال الغزو الآخر، فيتمثل في قطاع المطاعم والمقاهي، التي تقدم خدمات الطعام والشراب في الشوارع المكتظة في وسط المدينة أو في محطات القطارات وما حولها، بل وفي بعض الأحيان في مناطق بعيدة نسبيا للذي تشتهر خدماته بين الناس. وفي هذا المجال يتميز الصينيون أيضا، ويشاركهم بعض التايلنديين والفيتناميين في صناعة المطاعم الشرق آسيوية، لكن الشهرة والكثرة في عدد من بلدان أوروبا هي للأتراك، الذين أصبحت ماركتهم مسجلة فيما يعرف بوجبات الشاورما والدونر كباب وغيرها من الأكلات، التي أصبحت تهيمن على أغلب الشوارع التجارية في المدن الأوروبية.

وتتميز تلك المطاعم التركية بالطعام الجيد ذي الرائحة النفاذة، كما يجري إعداده بسرعة قياسا إلى أنواع المطاعم الأخرى، وبأشكال متعددة من الساندويش إلى الأطباق في الداخل أو السفري. وعلاوة على أنها أصبحت تضم كل المطابخ الشرقية إلى العنوان التركي من الفلافل إلى ورق العنب والحمص والتبولة وغيرها، فإنها أيضا تقدم تلك الخدمات بأسعار منافسة جدا. وهذا أحد أسباب انتشارها، وإقبال الناس عليها حتى من أصحاب البلد والمقيمين من غير ذوي الانتماءات الشرقية. بل إن بعض أصحاب الاستثمار من مواطني البلدان الأوروبية أصبحوا يبحثون عن شركاء أتراك أو آسيويين، لينشئوا معهم مطاعم أو أكشاكا تقدم تلك الأطعمة السريعة والرخيصة والمطلوبة لدى كثير من المارة. لكنها، في ظني، قد غيرت معالم بعض المدن الأوروبية وطابعها.

anz_ruh@hotmail.com

المزيد من المقالات
x