منذ بضعة أشهر نظمت قناة الإخبارية السعودية رحلة إلى النقطة الحدودية في نجران ضمّت مجموعة من الكتاب والإعلاميين ورؤساء التحرير من مناطق المملكة، وكنت سعيدة الحظ بوجودي ضمن المجموعة التي أتيحت لهم تلك الفرصة ليقتربوا كثيرا من نقطة حدودية برية تتسم بالصلابة في طبيعتها الصخرية، ليس في الجبال وحدها بل وحتى في السهول التي كانت تغطيها القطع الصخرية القاسية، أما الرجال هناك فحدث ولا حرج عن رجال آمنوا بقضيتهم واختاروا سلاحهم الذي يعرفون لمن ومتى يوجه، وأسلحتهم قبل أن تكون في أيديهم هي في تلك الرؤوس الباذخة الوعي في فهم تفاصيل جملة واحدة تقول: ماذا يعني وطن؟ بدءا من حديث أميرها المثقف سمو الأمير جلوي بن عبدالعزيز الذي أدار الحوار بين المجموعة باقتدار تام وكان ملما بكل التفاصيل الدقيقة التي يواجهها الوطن من أعدائه في الداخل والخارج.. صحيح أننا كنا جميعا من أبناء الوطن وكلنا نحمل الهم ذاته ولكنه كرجل مسؤول كان أكثر دقة في المعلومة عسكرية كانت أو تاريخية. ومن الطبيعي أن نجد كل التفاصيل الدقيقة عند رجال المديرية العامة لحرس الحدود بكافة الرتب الذين وقفنا على تحركاتهم في تلك الرحلة كل فيما يخصه، فقد التقينا بالقادة فأي منطق سمعنا وأي عمل رأينا كان لهم أثرهم القوي في نفوسنا كمواطنين قبل أي شيء آخر. والتقينا بالجنود خلف مقاود المعدات العسكرية حتى الذين لم تتح لنا فرصة الاستماع لهم باذاننا أصغينا لهم بقلوبنا وهم أولئك الذين يقفون على تلك الأرض لحمايتها وعلى مساحات أخرى هائلة في كل بقعة من الاطار البري لحدودنا دفاعا عن هذه الأرض. هناك تتجسد أمامك مقولة: ليس من رأى كمن سمع، فاللحظات التي عشناها هناك أعطتنا صورة أقرب وأوضح للصعوبات اليومية التي يواجهها الرجال هناك، وعلمتنا كيف يصبح للحجر الذي نقف عليه في الصحراء قيمة لا تقدر بثمن لم نكن لنستشعرها لو لم نرَ ما رأيناه، فهذا الحجر حين تتأمله وتتفكر في الصلة فيما بينك وبينه ستجد أنه يمثلك كشخص تنتمي لهذا الوطن ولهذه الأرض حتى ولو كان مجرد قطعة حجر أو حفنة من تراب.
ولهذا وجدت نفسي فجأة أنحني أمام عظمة اللحظة والمشاعر التي دفعتني لألتقط بضع حجارة صخرية من الأرض وأضعها في حقيبتي وأعود بها من الجنوب إلى الشرق شهادة حية قد يراها بعضكم جامدة وأراها ناطقة بما شهدته هي وما شهدته أنا عليها عندما أتذكر بأن حرس الحدود كانوا يجلسون عليها لساعات طويلة وربما استدعى الأمر أن يتمدد أحدهم بكل ما يحمله من ملابس وأدوات عسكرية ثقيلة تحت وهج الشمس التي تلهب تلك الحجارة لم نكن نفطن لوجوده عليها إلا حين يطلب منه مرشدنا العسكري أن يقف لنراه فهو يجلس عليها بطريقة تجعلك لا تفرق بينه وبين الصخور أثناء أدائه لمهمة المراقبة اليومية التي يقوم بها.
هناك على الحدود الجنوبية لم يكن العدو واحدا فهو ليس الحوثي فقط وإنما الليل ووحشته بكل ما فيه من مخاطر ومهرب المخدرات وجريمته والمتسللين الأفارقة وشرورهم. هناك أعداء ثلاثة يتربصون بالبلاد وبالعباد، ولكن الحمد لله الذي جعل لهذا الوطن رجاله الأشداء الذين يحملون السلاح باليمين ويبنون بالشمال، فالحياة هناك في نجران رغم قرب الخطر منها إلا أنها كانت جميلة تنام بين الجبال بسكينة وطمأنينة وتفيق في الصباح على نور يمدها بالحياة حتى أنني وإحدى رفيقات الرحلة وجدنا متسعا من الوقت لزيارة موقع سياحي تاريخي.