في الماضي كله كان الصوت هو الذي يدفع الى النشوة السكرى وكانت الكلمات الغنائية المائية هي التي تجعل السمع مورقا، وحين يعانق الصوت العذب الكلمات المائية يصبح كل شيء ذا جناحين.
في زماننا هذا تغيرت الاحوال.. اختفى الصوت العذب وتبعته الكلمات وجاء الجسد قائلا: انا وحدي الصوت والكلمات معا، انا الذي لا يحتاج الى اذنين بل الى عينين واسعتين.. ولا يحتاج الى قلوب يسعدها اللهب بل الى الصراخ حتى الاغماء.
الجسد والروح ثنائية رافقت الفكر البشري منذ عصوره الاولى.. وحين جاءت الفلسفة اتخذت منهما ميدانا للافكار والخيالات التي يسحق بعضها رقاب بعض، وكان الاعتقاد القديم ان اهانة الجسد هو اقصر الطرق لاضاءة الروح وصعودها لسلم النقاء.
تحت ضوء العلم الحديث تساقط الكثير من تلك الافكار والخيالات التي رفرفت طويلا حول هذه الثنائية وعاد الاعتبار للجسد الذي ظلم طويلا، بل جمح الخيال ببعض الفلاسفة فاعتبر الجسد والروح شيئا واحدا.. اما الفلاسفة المسلمون فهم مجمعون جميعا على هذه الثنائية.. ولكن ما لنا انا وانت من هذه الآراء ومن الفلسفة كلها؟ دعنا نعد الى عالم الجسد...
الكتاب «الجرائديون» عندنا كلهم كتبوا ويكتبون ضد «اغنية الجسد» وكأنهم في محراب، وأنا اول من يشك شكا ساطعا في موقفهم هذا، اجل انهم يداجون ويذرفون دموع التماسيح تلك التي يذرفها التمساح حين ينقض على فريسته.. انهم يشاهدون بانتشاء اغنيات الجسد ولكنهم يفتقدون شجاعة ذلك الاديب المصري الذي حين شاهد نانسي عجرم على الشاشة قال بعفوية وانهار: «اللهم عجرم نساءنا».
هؤلاء المدعون لم يذكروا حتى واحدا من الاسباب التي جعلت هذا العصر كله ينحدر باطراد مذهل لا في اغانيه وحدها بل في ذوقه واخلاقه وتعليمه واقتصاده القاحل، لم يذكروا سببا واحدا للاحباط الذي يتجرعه المجتمع كله الا قلة.. وانسداد كل الآفاق امامه لارتقاء الروح وارهاف الحس.. لقد اختفى عبدالوهاب خجلا امام «سلامتها أم حسن» وتوارت أم كلثوم ثكلى امام «يا حلاوة الآه لما يقولها وبقولها معاه».
وهنا لا بد من تذكر الشاعر الجميل صلاح جاهين:
.........
«قلبي انهبش من الضلوع وانخلع
يا اللي نهيت البنت عن فعلها
قول للطبيعة كمان تبطل دلع».