مدخل: يأتي ديوان الشاعر عبدالله الصيخان (الغناء على أبواب تيماء) الصادر حديثاً، كآخر وأحدث الإصدارات الشعرية لأحد الأسماء الشعرية الهامة في الشعر السعودي، وإحدى التجارب الإبداعية المتميزة في المشهد الثقافي والأدبي.
ويكمن سر القيمة الفنية لهذا العمل في كونه الباكورة الشعرية الفعلية، التي جاءت ولادتها على شكل ديوان مطبوع ولادة متأخرة جداً، لشاعر يعتبر من (الرعيل الأول) وله تجربة ورؤية شعرية ناضجة ومكتملة من جميع جوانبها، مارس قول الشعر وكتابته لعقود طويلة من الزمن، علاوة على أنه أحد الأسماء البارزة في الشعر السعودي الحديث.
حول الديوان:
من يتصفح ديوان (الغناء على أبواب تيماء) ويتأمل ما بين دفتيه من نصوص سيتضح له - بسهولة - بعدان أساسيان متلازمان:
-الأول: البعد الزمني
وهو الشق (النثري) من الديوان. وهذا البعد يمكن ملاحظته بسهولة، وبعيداً عن النصوص حين يطلع القارئ على مقدمة الديوان نفسه، والتي عنونها الصيخان بـ (نبع الشعر).
فأول ما يقع عليه نظر القارئ عبارة توضيحية جاءت على الغلاف الداخلي للديوان، وتحت عنوانه مباشرة جعل منها الشاعر بوابة رئيسية للولوج لديوانه تقول:
(كتبت هذه القصائد خلال 1977م – 1987م، ولم يتضمنها الديوان الأول: هواجس في طقوس الوطن).
كذلك تحدث الصيخان بإسهاب من خلال هذه المقدمة عن بداياته الشعرية الأولى وذكرياته المبكرة جداً، ومنذ نعومة أظفاره مع الشعر والقراءة والاطلاع، وولعه بالإبداع والثقافة بأسلوب فائق الروعة، سارداً أهم العوامل التي أثرت في تكوينه الشعري وبداية مشواره مع الكلمة الشعرية وفي شخصيته كشاعر وكإنسان أيضاً.
كانت هذه المقدمة بمثابة إضاءة تجلت لنا عبرها رؤية الصيخان وتقديره واحترامه للشعر كفن يعتبر أرقى الفنون اللسانية.
ويتضح لنا من هذه المقدمة أنها كانت – أساساً – عبارة عن ورقة عمل قدمها الشاعر عن تجربته الشعرية في النادي الأدبي بجدة ضمن دورة الإبداع الشهري في سبتمبر سنة 2012م.
ومن ضمن ما جاء في هذه المقدمة قوله:
(كيف يمكن لك أن تذهب إلى الطفولة؟ هكذا قلت لنفسي وأنا أسند رأسي على مقعدي في الطائرة المتجهة إلى جدة.. كنت أحاول خلال الأيام الماضية أن أفكر بهذه الورقة التي شاء لها الإخوة في النادي الأدبي بجدة (تجربتي الشعرية) عنواناً واخترت لها "علاقتي بالشعر" عنواناً بديلاً يغري بالكتابة تحته وعنه).
ومن ذلك على سبيل المثال ما جاء من قوله في المقدمة:
(نصيحتي الوحيدة التي صدقتها واحتفظت بها طويلاً هي أن القراءة وقود الكتابة، كلما قرأت استطعت أن تحافظ على شعرك صافياً رقراقاً متجدداً.
الثاني: البعد الفني
وهو الشق الشعري من الديوان، والذي يمكن فهمه واستيعابه بمعزل تام عن الشق النثري (المقدمة).
والحقيقة أنني لم أجد خلال قراءتي جميع نصوص الديوان (فارقاً كبيراً) يمكن أن أعتد به، على أنه من العلامات البارزة التي يمكننا الاستدلال بها لتكون إضافة جديدة لتجربة شاعر كبير بحجم (الصيخان) استطاع منذ بداياته الأولى وعلى مدى زمني طويل أن يصنع لنفسه (بصمة شعرية) خاصة به.
ويلاحظ القارئ هنا أنني قد قمت بوضع عبارة (فارقاً كبيراً) بين قوسين، كما ورد أعلاه كي أُنبهه إلى أمرين هامين يهمنا كقراء ومتذوقين للشعر أن نعرفهما:
الأمر الأول:
أن المقصود عدم وجود (فارق كبير ) بين نصوص هذا الديوان، وبين النصوص التي ضمها الديوان الأول للشاعر (هواجس في طقوس الوطن) هو أن التعامل الفني للصيخان مع القصيدة أو النص الشعري لدى مقارنتنا بين نصوص الديوانين (السابق واللاحق) لم يتغير كثيراً من الناحية الفنية، سواء ما يتعلق بالبنية الداخلية للنص أو ما يتعلق ببنيته الخارجية، باستثناء أن لغة الشاعر في ديوان (هواجس في طقوس الوطن) كانت أكثر نضجاً وعمقاً وأكثر رمزية وتخييلاً، بعكس ما هي عليه في ديوانه هذا الذي كانت لغته بسيطة وأكثر وضوحاً وأسهل تناولاً، وبعيدة عن الغموض والإبهام والترميز الرامي إلى تعقيد الصورة الشعرية لاستلهاث ذائقة القارئ المتذوق، الذي يغريه اللهاث وراء استنباط القيم الفنية للنص الحديث (التفعيلي) واكتشاف أو اكتناه ما وراء السطور.
الأمر الثاني:
إن عدم وجود (فارق كبير) بين الديوانين (البدايات الشعرية) من حيث بدأ الصيخان، والنهايات بعد أن اكتملت تجربته الشعرية يعني – بالفعل – أن الصيخان وجد شاعراً قوياً، ناضجاً منذ بداياته الأولى، وقد استكمل جميع أدواته اللغوية والشعرية والفنية، وكأنه قد ولد شاعراً بالفطرة.
ثم إنه انطلق من تلك البدايات ليحافظ على توازنه كشاعر فيما تلا ذلك من مراحل حياته الشعرية.
وهذا بدليل أن من يقرأ نصوص ديوان (الغناء على أبواب تيماء) بعيداً عن قراءة المقدمة التي كتبها الشاعر، لن يعرف عما إذا كانت هذه النصوص قد كتبها الشاعر منذ صباه أو في سنوات شبابه الأولى؟ أم أنه كتبها بعد أن تقدم به العمر؟
إذن... أين تكمن القيمة الفنية لهذا العمل؟ وهل يمكن أن نقول إنه أضاف للشاعر (عبدالله الصيخان) شيئاً جديداً لم نكن – نحن كقراء – نعرفه عنه من قبل كشاعر؟
وبقدر دهشتنا تجاه هذا السؤال، أعتقد أن دهشتنا تجاه الإجابة عنه ستكون أكبر، وذلك حين نعرف أن القيمة الحقيقية لهذا الديوان تأتي من كونه عبارة عن مجموعة من النصوص الشعرية التي كانت تمثل البدايات الشعرية الأولى للشاعر، والتي كانت بعيدة عن النشر مدة طويلة من الزمن.
ربما لأن مثل هذه النصوص لم تلفت نظره في وقتها، وهي ترتبط بذاكرة شاعرها بمراحل الصبا وعنفوان الشباب وذكريات حياته الأولى مع الأهل والأصدقاء والجيران، وسكناهم وديارهم وأماكنهم، وبيئتهم البكر التي لم يتوقف عندها نظر الشاعر في ذلك الوقت، ولكنها مع مرور الأيام بدأت تكون أكثر وضوحاً وجمالاً وبهاءً بالنسبة إليه كقطعة أثرية نادرة تزداد قيمتها مع مرور الزمن.
نعم... !! بالتأكيد، كثير من الأشياء والكائنات حولنا لا نرى جماليتها إلا حين تبتعد عنا، بحيث تترك مسافة كافية بيننا وبينها تمكننا من رؤيتها بشكل واضح، وبالتالي ينعكس تأثيرها على نفسياتنا وفي دواخلنا!.
وهذا ما فعله (الصيخان) حيث ترك مسافة مناسبة حافظ من خلالها على هويته الشعرية لسنين طويلة تمتد بين حاضره كشاعر ناضج، وبين ماضيه الشعري الجميل وبداياته تلك متمثلة في هذا الديوان، وكأنه مصور بارع وماهر يحرص على أن تكون المسافة بينه وبين ما يريد التقاطه بعدسة كاميرته مسافة كافية بحيث لا يقترب من هدف التصوير إلى حد كبير، فتصبح الصورة الملتقطة نتيجة ذلك بقعة من الضوء لا يرى فيها شيء، ولا يبتعد – في الوقت ذاته – عن الهدف المراد تصويره بحيث تصبح الصورة الناتجة أيضاً فراغاً لا معنى له!!
كما تكمن قيمة هذا العمل أيضاً في أنه (جرأة أدبية) واضحة تقدم بها إلينا الصيخان بكل ثقة وصدق ومحبة واقتدار تنبئ أولاً: عن ثقته بنفسه كشاعر في أي زمان ومكان يوجد فيه، وثانياً: ثقته بقرائه ومتابعيه ومتذوقي الشعر عموماً في أن ما يقدمه لهم جميعا هو الشعر الحقيقي، كما يتوقعونه منه دائماً بغض النظر تماماً عن الزمان والمكان الذي انبعثت عبر ظروفه المحيطة بهذه النصوص.
يعني هذا كله – باختصار – أن الصيخان قد أضاف لنا – نحن كقراء – ومتابعين له ومحبين لشعره شيئاً جديداً، من خلال إصداره هذا الديوان الذي كشف لنا جانبًا مهماً من تجاربه الشعرية المبكرة جداً، لكن ربما أنه لم يضف الشيء الكثير لشاعر كبير اكتملت تجربته الشعرية في الوقت الراهن من جميع جوانبها.
وهذا بعكس ما نراه من كثير من الشعراء في تحفظهم الشديد على كشف بداياتهم الشعرية للمحيطين بهم، بحجة أنها لا تعدو كونها بدايات هشة لهم مع الشعر وينقصها النضج.
- حول النصوص:
لعل أهم ما يميز نصوص ديوان (الغناء على أبواب تيماء) وتكاد تكون سمة أو عاملاً مشتركاً فيما بينها هو تلك ( الترنيمات الاستفهامية) التي تتخللها بحيث يفسح الشاعر المجال للقارئ أو السامع من خلال هذه (الترانيم)، ليحلق بذهنه وخياله عبر آفاق أرحب وفضاءات أوسع للنص تمكنه من اكتشاف دلالات جديدة له، وأبعاد مفتوحة، وغير محددة تتمدد وفقاً لامتداداتها لغة النص في اتجاهات عدة، بحيث تتولد عن هذه الامتدادات صور جديدة يمكن قراءتها واستجلاؤها وتحليلها وتفسيرها من زوايا ذات انطباعات مختلفة، وبرؤى ذات معايير فنية ولغوية وعلمية مختلفة أيضاً.
ولعل أوضح الأمثلة على ذلك هو ما جاء في القصيدة التي حملت عنوان الديوان نفسه، إذ يقول الشاعر:
إذ ترحلين
تستفيق القرى في الصباح
وترحل في قلب هذا الطريق
وتيماء كيف؟
وهكذا، طيلة امتداد مقاطع هذا النص تجيء عبارة (وتيماء كيف؟) في عدة مواضع من هذا النص كـ (ترنيمة) استفهامية تفتح للقارئ أو السامع أبعاداً جديدة للنص، بحيث يكاد لا يتوقف عند هذه (الترنيمة) بخياله أو ذهنه وتفكيره حتى تنقله مباشرة – وفي الوقت ذاته – لفضاء جديد يستدعي معاني جديدة، تتولد عنها عدة صور يمكن ملاحظة أبعادها الفنية في أكثر من اتجاه، ويمكن استشعار مضامينها، وما تنطوي عليه ثناياها بأكثر من أداة فنية واحدة.
وهذا ناتج – بالطبع – عن استحثاث أداة الاستفهام (كيف) لذهن القارئ أو السامع ومخيلته، وتحفيز مشاعره للمعنى المقصود بها بنوع من الشغف لاكتشاف المزيد من عناصر التشويق والإثارة والمتعة الكامنة وراء هذه (الترانيم الاستفهامية) المتكررة، التي فتحت المجال لإطلاق مخيلته وذهنه وتصوره بحرية تامة كي يتجاوزها، وينطلق إلى ما وراءها دون حدود أو قيود معينة تحد من رؤيته.
وفي نص آخر تحت عنوان (وضاعت حكاياك يا شهريار) يظهر لنا احتشاد هذا النص بجملة من الأسئلة المفتوحة التي كانت – بالفعل – أشبه ما تكون بـ (ترانيم استفهامية) لا يريد من ورائها الشاعر إجابة محددة، بقدر ما يريد من ورائها شد القارئ إليه وشحذ فضوله الفني المتوقد، تجاه متعة البحث عن المكامن الفنية لجماليات النص، ومن ثم الاستمتاع بها بعد اكتشافها.
ومن ضمن ما جاء في هذا النص قوله:
وفتشت في كل دار
قطعت الفيافي وجبت القفار
وصفتك للبدو في كل وادٍ
سألت عذارى البحار
أجابوا
وضاعت حكاياك يا شهريار وتتجلى لنا (الترنيمة الاستفهامية) هنا في أوضح صورها في قوله (أجابوا) !!
ومن البديهي للسائل أن يسأل هنا:
وبماذا أجابوا؟
لكن الشاعر أسقط الإجابة هنا تماماً من النص بشكل متعمد وأبقى على السؤال فقط. لأن السؤال أهم عنده من الجواب عما يسأل عنه، وليس من الضرورة أن تكون له إجابة محددة، ولكونه يريد أن يتيح المجال للقارئ أن يستحضر في ذهنه أكثر من إجابة عن مثل هذا السؤال، ولكونه – أي الشاعر – لا يريد أن يقتل فينا هذا السؤال بمجرد إيراده للإجابة عنه، إذ إن لغته هنا قائمة على الإيحاء والترميز والإيماءات، ولأن مكاشفة الشاعر المتمرس للقارئ الحاذق بما تنطوي عليه مكنونات النص من ترميز وتعمية وتخييل وإيحاءات، وإشارات تلميحية، وعلى نحو مفاجئ ربما يربك النص، أو ربما يؤدي إلى قتل الصورة الشعرية في كثير من الأحيان بمجرد اكتشاف القارئ لها بشكل مباشر، هذا إذا لم يحسن الشاعر الماهر طريقة توصيلها إليه بالأسلوب المناسب، وغير المباشر الذي يحفز ذائقته على اكتشاف المزيد من عناصر المتعة والتشويق والإثارة.
وفي نص آخر بعنوان (سفر في امرأة) تبدو مثل هذه (الترانيم الاستفهامية) أكثر وضوحاً لدى (الصيخان) بحيث تكشف لنا إصراره وممانعته بنوع من الأنفة وسمو الروح لكشف كل ما لديه، أو ما يجول في خاطره، وما يختلج في قلبه ونفسه للمحيطين به حتى أولئك الذين تربطهم به علاقات إنسانية مهما كان نوعها: شخصية، اجتماعية، نفسية، عاطفية... إلخ.
ليجعل للمشاعر التي تربطه بالآخرين حرمة مقدسة، وحدوداً لا ينبغي تجاوزها، أو التعدي عليها. وفي ذلك يقول:
تقولُ رقية
هل الشوقُ إلا التمازج؟
إلا انتشاري بإنسان عينيك ؟
إلا دخولي مسامات جسمك في كل حين؟
فلا تسأليني: متى أو تقولين كيف؟
وهل يسأل المدنفون عن العشق
والعشق سيف؟
فلا تسأليني
فماذا بقلبي سواك؟
نعم... لقد جاءت (الترانيم الاستفهامية): هل الشوق إلا...؟ فلا تسأليني متى أو تقولين كيف؟... وهل يسأل المدنفون؟... فلا تسأليني...؟... فماذا بقلبي سواك؟ لتفتح آفاقاً جديدة للنص في ذهن من يقرؤه أو يسمعه، تركها الشاعر مفتوحة لنا هكذا، لنجيب عنها – نحن – بما يتوافق من هذه (الترانيم) مع الذوق الفني والانطباع الشخصي الذي تخلفه مثل هذه الترانيم.