يقوم موقع أرقام سنوياً بدراسة المكافآت والرواتب لكبار التنفيذيين في الشركات السعودية ونشر نتائجها، حيث يقارنها بمثيلاتها في الأعوام السابقة إضافةً إلى مقارنتها بأرباح الشركات. ونشرت الدراسة رواتب عدد من رؤساء الشركات في السعودية في 2013 (شملت الدراسة 18 رئيس شركة بمتوسط 4.75 مليون ريال سنوياً)، وتمثل 62 ضعفا لمتوسط رواتب السعوديين في القطاع الخاص (6400 ريال شهرياً بحسب الدراسة التي أجراها البنك الدولي بالتعاون مع وزارة الاقتصاد والتخطيط السعودية). وكثيراً ما تثير مثل هذه الدراسات نقاشات طويلة عمن يستحق هذا الراتب أو ذاك، ومقارنة رواتب الموظفين برؤسائهم ومقارنة الجهد الذي يبذله كل منهم. وبالطبع فإن الجهد المبذول لا يفسر بحد ذاته الرواتب المستحقة وإلا كان من يعمل بيديه في البناء يستحق راتباً أعلى من الموظف الجالس في المكتب المكيف!


الرواتب في حقيقة الأمر يحكمها قانون العرض والطلب على قدرة وقابلية الموظف للإنتاج، وليس جهد الموظف البدني أو الذهني أو القيمة الاقتصادية الحقيقية التي يضيفها


ويقدم لنا الاقتصادي المعروف بول كروجمان التفسير التقليدي لتفاوت هذه الرواتب في كتابه «ضمير الليبرالي» (Conscience of a Liberal)، ويبدأ بنقل نتائج دراسة وجدت أن رواتب رؤساء الشركات في الولايات المتحدة الأمريكية تضخمت من حوالي 40 ضعفا لمتوسط رواتب العاملين في السبعينات الميلادية، إلى 367 ضعفا في بداية العقد الماضي. ثم يقول إن القصة المثالية هي أن ربحية كل شركة تعتمد على جودة رئيسها التنفيذي، ومع زيادة حجم الشركة يكبر حجم تأثير الرئيس على أرباحها. ويطلب كروجمان من القراء تصور أن جودة الرؤساء تمكن ملاحظتها بسهولة، فالجميع يعرف ترتيب الرؤساء حسب جودتهم، ففي تلك الحالة سوف تكون هناك منافسة على توظيفهم تنتهي بتوظيف أكبر الشركات حجماً لأفضل التنفيذيين حيث تؤثر مساهماتهم أكثر. ونتيجة لذلك فإن رواتب التنفيذيين تعكس جودتهم. ويقول كروجمان إن هذه القصة تقتضي أن الاختلافات البسيطة في تقدير جودة أداء التنفيذيين سوف تترجم إلى اختلافات كبيرة في رواتبهم بسبب المنافسة. حيث قد يكون الفرق بين أداء عاشر أفضل تنفيذي والحادي عشر عشرات الملايين من الدولارات سنوياً. وبهذه القصة النموذجية يكون التنفيذيون مستحقين لرواتبهم؛ نظراً لزيادة المنافسة وأسعار أسهم الشركات وغير ذلك. لكن كروجمان يرى أن هذه الزيادة ترجع في الحقيقة إلى عدد من الأسباب الاجتماعية والسياسية وليس فقط الاقتصادية، بالذات أن تقويم جودة المدراء التنفيذيين ليس بسهولة تقويم جودة العاملين بأيديهم، إضافةً إلى ظهور الرؤساء النجوم في الثمانينات الميلادية وما بعدها وحرص الشركات على استقطابهم. 

أما تيم هارفورد (Tim Harford) الكاتب الاقتصادي في جريدة الفاينانشل تايمز (Financial times) فيقدم تفسيراً مغايراً في كتابه «منطق الحياة» (The Logic of Life). ويفرق هارفورد بين نوعين من المكافآت، الأول يعتمد على الأداء المطلق مثل أرباح المؤلف بناءً على عدد النسخ التي بيعت من كتابه، والثاني وهو يعتمد على الأداء النسبي ويمثل له بفوز لاعب على آخر في دوري وليس الأداء المطلق لأي منهما. ويرى هارفورد أن المكافآت والترقيات في بيئة العمل هي أشبه بالنوع الثاني وهو ما يطلق عليه الاقتصاديون «نظرية الدوري» (Tournament Theory). وبناءً على ذلك يقول هارفورد إن الرؤساء غالباً ما يستلمون مرتبات ومكافآت أكثر مما يستحقون، وهذا في صالح الموظفين لأنه يحفز الموظفين على التنافس في العمل الجاد ليفوزوا بالدوري ويحصلوا على هذا الراتب. وتفسر نظرية الدوري أيضاً بعض سلبيات بيئة العمل التي تعتمد بشكل كبير على الدوري. حيث يتطلب فوز أحد الموظفين بالدوري خسارة الآخرين، وهو ما قد يؤدي لعمل الوصوليين على إفشال زملائهم؛ وكلما زاد دور الحظ في تحقيق النجاح قل حافز العمل الجاد واحتاج التحفيز إلى علاوة أكبر. ويرى هارفورد تبعاً لذلك أن رواتب رؤساء الشركات قد لا يكون لها أي علاقة بأدائهم وما يتخذونه من قرارات، وإنما هي أشبه بمكافأة على جهودهم السابقة في حياتهم العملية.

نستخلص مما سبق أن الرواتب في حقيقة الأمر يحكمها قانون العرض والطلب على قدرة وقابلية الموظف للإنتاج، وليس جهد الموظف البدني أو الذهني أو القيمة الاقتصادية الحقيقية التي يضيفها. والترقيات يحكمها الأداء النسبي للموظف مقارنة بأقرانه، وليس أداؤه المطلق. قد لا يبدو ما سبق عادلاً أو منصفاً، مثله في ذلك مثل كثير من النظريات الاقتصادية الأخرى، ولذلك يطلق على الاقتصاد «العلم الكئيب»!