للغناء البحري جذور تاريخية عريقة فالإنسان في منطقة الخليج استطاع من خلال العديد من الفنون الشعبية البحرية أن يعبر عن ذاته وهمومه حيث استفاد من محيطه البحري واستخدم كل ما يجده أمامه في تعبيراته الموسيقية وتعد أغاني «النهمة «من أهم أنواع الغناء الشعبي البحري المعروفة منذ القدم في منطقة الخليج العربي والتي لاتزال لها حضور مميز في قائمة الفنون الشعبية في منطقة الخليج . حيث كان النهام يطلق من على سطح السفينة العديد من الأنغام والألحان البحرية تحت ظلال شراع السفينة وكانت الآمال تكبر عند البحارة وهم ينصتون إلى صوته الشجي عندما يردد المواويل الشعبية التي تهزهم عند سماعهم لهذا النغم وهو ينساب في لحن عذب يحرك شجونهم ويمدهم بالطاقة والحيوية التي تساعدهم على انجاز المهام الموكلة إليهم في رحلة الغوص.
الصوت الشجي
يطلق بحارة الخليج العربي على المغني الذي يؤدي الأغاني على سطح السفينة والذي يصاحب البحارة في أغانيه النهام وهذا الاسم كمصطلح لغوي يعرف بأنه مشتق من كلمة نهم والتي تطلق على الصوت الذي يعبر عن الضجر، كما تطلق أيضا على صوت الأسد والفيل والنهام كما هو معروف من ابرز مميزاته بأنه يمتاز بقوة الأداء وحلاوة الصوت وحفظ الكثير من الشعر وهذه المزايا لا يمكن الاستغناء عنها في أي نهام يمكن أن يشار اليه بإتقانه لهذا الفن الأصيل .
وأطلق اسم النهمة على كل أشكال وأنماط أغاني البحر، والنهم هو نوع من الدعاء ابتكره البحارة ليعبر عن كثير من حالاتهم النفسية وللتخفيف عن متاعب المهنة وآلامها. والنهمة ترتبط أساسا بالعمل على السفينة ولها العديد من القواعد الثابتة خاصة فيما يتعلق بالأداء فكل أغنية لها الشكل والإطار المخصص الذي تؤدى من خلاله ، فالعمل المؤدى أثناء رفع الأشرعة وإنزالها له ضوابط غنائية محددة لرفع الشراع والذي يطلق عليه البحارة مصطلح (خطف الشراع) وأيضا بحسب نوع الشراع فهناك «العود»، و«القلمي» و «خطفة البومية»، و «الجيب» وأطلقوا مسمياتها على أنواع الغناء أثناء أداء العمل برفع الشراع. وهناك أعمال كثيرة تؤدى على سطح السفينة آخذة مسمياتها الغنائية ويقوم النهام بأدائها مثل فجر المجاديف (جر المجداف) والنهام يقوم بمساعدة البحارة على أداء عملهم سواء على سطح السفينة أو خارجها، كما يقدم الأغاني الترفيهية لاداء عمل بسيط كطوي الشراع، والترويح عن النفس بعد المشقة مثل غناء الحدادي واليامال وغيرها من الانماط والفنون البحرية الشعبية الاخرى .

أنواع متعددة
وتنقسم النهمة في ابسط صورها كما تشير الدراسات والبحوث المختصة بالفنون البحرية إلى ثلاثة أنواع وهي « اليامال» و «الخطفة» و الحدادي . واليامال هو نوع من الغناء يختص بالسرد الإلقائي على ظهر السفينة وخارجها أما فن الخطفة فهو نوع من الغناء، يختص برفع أشرعة السفينة لإبحارها باتجاهات مغايرة.
وفن الحدادي من الفنون التي يميل إليها البحارة لاستعادة نشاطهم وقت الراحة ويقومون بأداء هذا اللون في الوقت المناسب وبعيدا عن مهام العمل الموكله اليهم على ظهر السفينة وجميع هذه الانواع الثلاثة يقوم كل منها بوظيفة معينة من الضرب والغناء في حين أن كل واحد منها ينقسم إلى عدة فروع، أهمها ومن هذه الفروع « اليامال « وكلمة يامال هي نوع من التعبير الجماعي عما يجيش في صدور البحارة من الوجد والألم والفراق، كتعبير أصحاب اللغة ، قولهم (( ياهي يامال )) ، (( وياشي يامال )) ، وتعني هذه العبارات الأسف والتلهف والحزن، وهذه الفنون تتم بواسطة السرد الإلقائي.

فروع الخطفة
تنقسم الخطفة إلى عدة فروع مختلفة في الضرب والغناء، أهمها خطفة العود ، وخطفة دواري القلمي وخطفة الجيب وخطفة الكابية ، وخطفة البومية ، وخطفة الشومندي وجميع هذه المسميات تطلق على نوعية الأشرعة بحسب مقاييسها من (العود) وهو الشراع الأكبر لتنتهي إلى (الشومندي) وهي أصغر الأشرعة حجماً وهذه ترتفع على (دقالة) السفينة حاملة هذه الأشرعة، كما تطلق أيضاً على (الدقل) نفسه قولهم، الدقل العود ، والدقل القلمي، وهكذا من كبيرها حتى صغيرها. ولكل خطفة شراع أو إنزال شراع من أشرعة السفينة نوع خاص من المصطلحات بجانب ما يصاحب ذلك من ضرب إيقاع وغناء وتصفيق معين يماثل ما يقع في الزفن من هز للأكتاف وحركة الرؤوس وطرقعة الأصابع واللسان بصورة تتناسب وحركة الضرب بالقدم وبمشاركة ما يصدر عنهم من أصوات النحب والهمهمة، لخطف الشراع وارتفاعه للمكان المناسب لدفع السفينة نحو جهة معلومة وهذه الالوان البحرية تفتقد للعديد من الدراسات التي تغيب عن تدوينها وتوثيقها خاصة على المستوى المحلي رغم كونها من الفنون الشعبية الاصيلة التي ارتبطت بذكريات اهالي البحر والغوص خاصة في المنطقة الشرقية وهي تواجه الاندثار خاصة في ظل قلة النهامين في الوقت الراهن والذين لا يتجاوز عددهم اصابع اليد الواحدة.