عالم السماوات المفتوحة، والعلاقات الإنسانية الحية، وحقبة انهيار الحواجز بين الشعوب والثقافات والأمم، يتطلب ثقافة واسعة في العلاقات العامة، وبالذات يتطلب ثقافة سياسية عميقة.
والذي راقب ردود الفعل العربية، على خطاب الرئيس الأمريكي باراك أوباما إلى الأمة الإسلامية الأسبوع الماضي، سوف يصاب بالمغص الفكري الحاد.
والذي يستمع ـ بالذات ـ إلى من يرون أنفسهم مثقفين أو ذوي «كرامات» خاصة أو«أوصياء» على الأمة، يدرك أن المشكلة الأساسية عندنا ـ نحن العرب ـ وليست في أمريكا ولا في إسرائيل، لأن الأولى قوة عظمى تكتب التاريخ، كما يكتب دائماً، بالقوة، والثانية عدو يهدف إلى تركيعنا.
وسوف نندهش لمدى سطحية كثير من المثقفين العرب الذين كانوا يودون من رئيس أمريكي أن يرمي إسرائيل في البحر، ويبايع (وهو صاغر) منظمة حماس وأسامة بن لادن، وحزب الله، وبعثيي صدام وأحمدي نجاد وهوغو تشافيز، وأن يقطع أوباما علاقاته مع المملكة ومصر والدول العربية، وإن لم يفعل فإن «كرامات» هؤلاء «المجاهدين» مجتمعة سوف تنزل على أمريكا غضب الله، وتحولها في القريب العاجل، غير الآجل، إلى أرض يباب.
ويبدو أن ليلنا مع هؤلاء طويل جداً، قبل أن يعلم غضبهم الرئيس الأمريكي، لأن ثقافتهم السياسية لا تتعدى ترديد الأماني، وأحلام يقظة مجانية سريعة العطب. والمشكلة أن هؤلاء يكثرون من الضجيج وترديد الشعارات البراقة ويسيطرون على الشارع العربي عاطفياً، ويساعدون إسرائيل على كسب الوقت، والحجة وترسيخ الاحتلال وتشريعه كأمر واقع، مثلما ساعدوها كثيراً باسم مقاومتها. فيبدو أنهم سوف يعيقون صناعة القرار العربي، كما يفعلون دائماً، من أن تعمل على الاستفادة من خطاب الرئيس الأمريكي بأكبر قدر من المكاسب، ولن تنتظرنا واشنطن، وكذلك إسرائيل حتى نحل مشاكلنا التي لا تنتهي حول البطولات المحلية الكبرى، ونتفرغ لـ «النظر» في الأطروحات الصغرى مثل خطة الرئيس الأمريكي.
والثابت بالبراهين أن إسرائيل مرتاحة لكل البطولات العربية «التليفزيونية» التي تعطيها الوقت كي تتمدد وتقضم فلسطين متراً متراً، وهذه البطولات تشغل العرب عن تحقيق حل سياسي، في الوقت الذي تعجز فيه عن تقديم حل عسكري، سوى صواريخ عاطفية تخديرية تهدف ـ أصلاً ـ لمكاسب سياسية حزبية ضيقة على حساب القضية الكبرى.
*وتر
تنتظر جريحة النفس والخاطر،
العمر يفنى، والخطابيون «يكيلون» وعودهم، في سوق العواطف.
في متاجر الصخب، يقايضون كل وعد بجرح، وكل أمل بدمعة.
كل هذا السهد، كل هذا العناء، كل هذا الظلام، يأكل من جسد جريحة النفس والخاطر.