والغريب في الإنسان أنه لا يعيش حياته كما وقعت فقط، بل يعيش أحيانًا في ظل حياةٍ كان يمكن أن تقع.
ومن هنا يولد السؤال الأكثر مراوغة: ماذا لو؟ ماذا لو اخترت الطريق الآخر؟ ماذا لو بقيت؟ ماذا لو قلت ما أخفيته؟ ماذا لو لم أتردد؟
أسئلة قصيرة، لكنها قادرة على فتح أبواب الذاكرة. نعود إلى الماضي بعقلنا الحالي، ونحاول أن نحاكم قرارات اتخذناها بعقلٍ لم يكن يملك آنذاك ما نملكه اليوم من معرفة.
وننسى أن الإنسان في لحظة القرار لا يملك إلا ما كان يعرفه حينها؛ ولذلك فإن محاكمة أنفسنا القديمة بعقلنا الحالي ليست دائمًا عدلًا، بل قد تكون شكلًا خفيًا من القسوة على ذواتنا.
وهنا ينبغي أن نفرّق بين مراجعة الماضي والارتهان له. فأن نسأل: ماذا علّمني ما حدث؟ فهذا وعي، أما أن نظل أسرى لـ«لو أنني فعلت»، حتى يصبح الماضي أكثر حضورًا من الحاضر، فذلك استنزاف.
وقد جاء التوجيه النبوي واضحًا: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز... وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان».
وليست هذه دعوة إلى ترك الأسباب أو تبرير الأخطاء، بل تذكير بأننا مسؤولون عن سعينا واختياراتنا، ولسنا مالكين لكل النتائج. فقد نبذل ما نستطيع، ثم تأتي الحياة بما لم نتوقع.
ثم إننا كثيرًا ما نُجمّل الحياة التي لم نعشها؛ فالخيال يمنح الاحتمال أجمل صوره، ويخفي عنا أثمانه. قد نتخيل الطريق الآخر أكثر رحمة، ولا نعرف أنه ربما كان يحمل وجعًا آخر. نحن لا نتألم دائمًا على ما لم يحدث، بل أحيانًا على المعنى الذي منحناه لما لم يحدث.
فالمشكلة ليست في أن نتساءل عما كان يمكن أن يحدث؛ فالتأمل في الماضي جزء من نضج الإنسان، وإنما المشكلة أن نسمح لما لم يحدث أن يحدد ما سيحدث.
لذلك، ليس كل ما لم يحدث خسارة. بعض الأبواب المغلقة كانت حماية، وبعض التأخير كان ترتيبًا، وبعض الغياب أعاد تشكيلنا من الداخل. وربما كانت بعض «اللاءات» التي أوجعتنا في وقتها هي التي صنعت لنا لاحقًا ألف «نعم».
والتصالح مع الماضي لا يعني أن نحب كل ما حدث، بل أن نتوقف عن مطالبته بأن يكون شيئًا آخر. أن نعترف بأن بعض الأشياء أوجعتنا، وأن بعضها أخطأنا فيه، ثم نضع كل ذلك في مكانه الصحيح.
أن نأخذ من الأمس بصيرته، لا ثقله؛ ومن الخطأ درسه، لا سجنه.
ولهذا، ربما لا يكون السؤال الأهم: ماذا لو حدث؟ بل: ماذا أفعل الآن بما حدث؟ الأول يعيدنا إلى زمنٍ لا نملك تغييره، والثاني يعيد إلينا الحاضر.
وربما تكون الحكمة الحقيقية في أن نتعلم كيف نسير بثبات في الطريق الذي اخترناه، دون أن نظل نلتفت خلفنا كلما اشتقنا إلى احتمالٍ لم نعشه.
خاتمة:
فنحن أبناء ما حدث، نعم، لكننا أيضًا أبناء ما لم يحدث؛ أبناء الأبواب التي لم تُفتح، والطرق التي لم نسلكها، والاحتمالات التي مضت دون أن نعرف نهاياتها.
وربما كان أجمل ما يمكن أن نفهمه أن بعض الأشياء لم تحدث، وكان لها فضلٌ في أن يحدث شيءٌ أهم: أن نصبح أكثر نضجًا ووعيًا وبصيرة؛ وأن نتعلم أن الغياب لا يعني دائمًا خسارة، وأن التأخير لا يعني دائمًا حرمانًا، وأن الطريق الذي لم نسلكه لا يعني بالضرورة أننا أضعنا طريقنا.



