والحقيقة أن هذه ملاحظات ذكية ومهمة، ولعلنا في هذا المقال نعرج سريعًا على بعض النقاط والمقترحات التي يمكن من خلالها استثمار هذه الفترة، طالت أم قصرت. ولكننا نسير بهذه الحلول من باب «ساعة وساعة»، فالأصل في الإجازة هو الترويح عن النفس لاستعادة النشاط، ولكن لا يمنع ذلك من الاستفادة منها بموازنةٍ فطنة تجمع بين متعة الترفيه والبناء الشخصي والمعرفي، بحيث يستفيد الشباب من تجديد طاقاتهم الذهنية والبدنية، وفي الوقت نفسه يكتسبون مهاراتٍ وخبراتٍ تصقل شخصياتهم، وتضيء مستقبلهم.
ومن ذلك أن الإجازة الصيفية لا تعني، بأي حال من الأحوال، التوقف التام عن النماء المعرفي والتعلم، بل هي الوقت الأفضل لما يُسمى «التعلم الحر»، أي التعلم الذاتي، وهو أحد أفضل السبل لتوسيع المدارك الفكرية والثقافية. فالأشهر الثلاثة المقترحة تمنح الأبناء فرصةً ذهبية لالتقاط الأنفاس، وإعادة ترتيب الأولويات بعيدًا عن ضغوط المقررات والاختبارات، كما أنها الوقت الأنسب لاكتساب مهارات الحياة الحقيقية، والاعتماد على النفس بدلًا من الاتكال التام على المنهج وتلقين المعلمين. بمعنى آخر: هي دعوة إلى التعامل مع الإجازة بوصفها منصةً للاستكشاف الذاتي وبناء الشخصية، لا فترة خمول وتأجيل للحياة، كأن يخوض الطالب تجربة عملٍ مؤقت أو جزئي.
وحين نتساءل عن المرافق التي تستوعب طاقات الجيل، فإن الإجابة لا تتطلب بالضرورة تشييد مبانٍ جديدة من الصفر، بل تكمن في إعادة استثمار الأصول القائمة التي تدخل في بياتٍ صيفي مؤقت؛ إذ تمتلك المدارس والجامعات الحكومية والأهلية ساحاتٍ وملاعب، ومختبراتٍ حاسوبية، ومسارح مجهزة بالكامل، ويمكن تحويل هذه المقرات إلى أنديةٍ صيفيةٍ حيوية بالشراكة مع القطاع الخاص والجمعيات المتخصصة والمعتمدة، ويُعد ذلك حلًا فوريًا واقتصاديًا لاستيعاب آلاف الطلاب.
ويتكامل الحل السابق مع فتح أبواب معاهد التدريب المهني والتقني لتقديم دوراتٍ مبسطة وعملية تناسب اليافعين، مثل مبادئ صيانة الأجهزة والإلكترونيات، والرسم الهندسي، والفنون البصرية، كالنحت والرسم والخط العربي. وهو نوع من التعليم يمنح الشاب شعورًا بالإنجاز الملموس والاعتماد على الذات، ويكسر روتين التلقين النظري.
ولا يفوتنا هنا أن ننوه إلى أهمية مأسسة الحواضن الرقمية والتطوعية، عبر الاستفادة من منصات التطوع الوطنية لطرح فرصٍ ميدانية وتنظيمية تناسب طاقات الشباب في مجالات خدمة المجتمع والرعاية البيئية، وتوجيه النشء نحو المعسكرات الرقمية القصيرة لتعلم لغات البرمجة، والتصميم، والذكاء الاصطناعي، مما يحول الإجازة إلى استثمار حقيقي في سيرهم الذاتية المستقبلية.
[email protected]



