في هذا الزمن، لم يعد الحسد شعورًا عابرًا، بل أصبح سلوكًا يوميًا يتسلل إلى الكلمات والنظرات والصمت الثقيل، حتى وصل بنا الحال إلى مشهد مؤلم؛ يُحسد فيه الميت على يوم وفاته، فيُقال: مات يوم الجمعة.. يا حظه! وكأن الموت أصبح جائزة، وكأن الراحة في القبر لم تسلم من المقارنة. فأي قلوب هذه التي لم تترك للميت سكونه ولا للحي فرحته؟
قاعدة نبوية لو طبقناها لنجونا
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان». ليست هذه عبارة تقال عابرًا، بل قاعدة حياة ومنهج نجاة؛ لأن النعمة إذا ظهرت قبل اكتمالها أصبحت عرضة لكل عين. فليس كل من سمعك دعا لك، ولا كل من اقترب منك تمنى لك الخير، ولذلك كان الكتمان حماية، وكان الصمت حكمة.
حين يصبح فشلك مناسبة للحديث
المؤلم في واقعنا ليس الحسد فقط، بل الفرح بالفشل. فبعض الناس لا يلتفت إلى نجاحك ولا يبارك لك، لكن ما إن تتعثر حتى يصبح الخبر حديث المجالس، وتبدأ الروايات والتأويلات، وكأنك اخترت الفشل بنفسك. وهكذا تتحول الزلة إلى مادة للحديث وسبب لفرح خفي لا يقال، لكنه يظهر في التعليقات والنظرات.
أقرب الناس هم الاختبار الحقيقي
الأشد ألمًا أن ذلك قد يأتي من القريب الذي يعرف تفاصيلك ويراقب خطواتك. فالضربة من الغريب توجع، أما الضربة من القريب فتكسر؛ لأنها تأتي من حيث لا نتوقع.
حصّن نفسك ولا تعلن كل شيء
في عالم كهذا، لا يكفي الكتمان، بل تحتاج إلى التحصين. اقرأ المعوذات يوميًا، فهي حصن وسكينة وستر بإذن الله. فالتحصين وعيٌ لا ضعف، وإدراكٌ بأن الوقاية تبدأ من الداخل.
الصمت حكمة
هناك من فهم الحياة مبكرًا، فعاشها بهدوء، لا يعلن كل فرحة ولا يكشف كل خطوة. لم يكن ذلك خوفًا، بل حكمة؛ فبعض النعم تكبر حين تخفى.
ختامًا:
لا تكن كتابًا مفتوحًا لكل من مر، ولا تجعل حياتك مادة للحديث. أحب نعمك بصمت، وأنجز بهدوء، وتحصن بذكرك. فبعض القلوب لا تفرح لفرحك، بل تنتظر تعثرك. وحين ترى من يحسد ميتًا على يوم وفاته، فاعلم أنك في زمنٍ أصبح فيه الكتمان حكمة، والصمت قوة، والتحصين نجاة.
[email protected]



