كان الضوء الشاحب يطيل ظلّه، وكأن ظلّه يقول له إن الحياة لا تبن فقط مما نُحسن فعله، بل مما نتداركه بعد أن نكسره بأيدينا. ومن هذه اللحظة الرمادية تبدأ القصة الحقيقية لتكتب حياتنا.
من هنا يمكن فهم العبارة القائلة إن حياتنا تتشكّل بقدر كبير بما نتعلّم من ندمنا. فالندم ليس سجناً للماضي بقدر كونه ورشة صامتة للمستقبل؛ يطرق فيها العقل على الحديد الساخن للتجربة حتى يصوغ قرارًا أنضج.
أولاً، يؤكّد علم النفس المعرفي أن الدماغ يتعلّم من الألم أسرع من المتعة فيما يُعرف بـ«تحيّز السلبية». وقد بيّن كانيمان وتفيرسكي في نظرية الاحتمالات أن وقع الخسارة النفسية يفوق وقع المكسب، أي إن خطأً واحدًا مؤلمًا قد يغيّر المسار أكثر من نجاحات كثيرة متتابعة. وهكذا يصبح الندم قوة تشكيلية لا عاطفة عابرة.
ثم إننا، كما أظهرت بحوث توماس جيلوفيتش، نندم على الفرص التي لم نغتنمها أكثر مما نندم على ما فعلناه. فالفرصة الضائعة تظل شبحًا مفتوحًا على الاحتمال، بينما يتحوّل الخطأ المنجَز إلى درس مغلق الحدود، واضح المعالم.
ولأن القصة تُفهم بالأمثلة، يمكن النظر إلى ستيف جوبز. حين أُخرج من «أبل» في منتصف الثمانينيات، كان الندم قاسيًا: مشروع حياته لفظه خارجًا. لكنه عاد بعد سنوات وقد صاغ من خيبة الطرد رؤية أبسط وأعمق، فأعاد بناء الشركة على التصميم والإنسان معًا، وصنع عصر «آيفون». لقد كان الطرد جرحًا، لكنه صار بوصلة.
وبالمثل، يروي جاك ما، مؤسس «علي بابا»، كيف أن سلسلة إخفاقاته المبكرة ورفضه المتكرر في الوظائف جعلته يندم على تردده وخوفه من المخاطرة. هذا الندم هو الذي دفعه لاحقًا إلى تأسيس مشروعٍ عالمي قائم على الجرأة المنظمة، لا على الأمان الزائف.
ومع ذلك، لا يلغي الندم قيمة النجاح؛ فالنجاح يبني الثقة ويفتح الأبواب. غير أن المفارقة أن كثيرًا من النجاحات الكبرى وُلدت من ندم سابق: طالب تفوّق لأنه أهمل يومًا، أو قائد تواضع لأنه تعثّر مرة.
فضلاً عن ذلك، توضّح بحوث كارول دويك حول «عقلية النمو» أن الندم يصبح بنّاءً فقط عندما يُقرأ كإشارة للتعلّم لا كحكم نهائي على الذات.
[email protected]



