أصبحت القاعة كحبات رمان مرصوصة في فراغ جوف انتفاخ قشرة بناء جميلة تحوي الجميع. لا أحد ينظر لأحد، باستثناء شخصي. كنت أرقب بصمت وتساؤلات، متابعا حراك ما يجري. قاعة واسعة، سقفها بدون عمد كأنه معلقا في الفراغ. وسط تساؤلاتي المنغلقة هب الجميع واقفا، بعضهم واجما ينتظر شيئا ما.. وكنت منهم.
حضر المحاضر الأمير محمد الفيصل. احتل المنصة. صفق الحضور. معهم شاركت. رأيته شخصا متواضعا واثقا في ملامحة. كنت أتخيل صورا لم أراها. هذا ابن فيصل -رحمه الله-. شعور عظّم مسؤوليتي من الاهتمام والمتابعة والرصد.
تهت في قراءة مظهر شخص الأمير. نسيت كل من حولي. أصبحت أقفز بنفسي في ملكوت الخيال، غير مصدق للمشاهد. عشت حالة كأن الأمير جاء لزيارتي دون غيري. فتحت جميع أبواب ذهني وركزت. لم أكن أعلم أن ذلك سيعود على مستقبلي بالنفع لصالح المياه الجوفية.
أن تجد نفسك في قارب لم تصممه، ينقلك للمستقبل بكل محتواه دون علمك، فتلك رحلة قدر، تبحر بك نحو شاطئ لا تعرف موقعه، ومكوناته، وامكانياته، وأهميته. وعندما تصبح سجينا في مجاله، فهذا يعني أنه يبلور رسالتك في الحياة. يتوقف نسيجها على قدراتك المكتسبة وطاقات تختزنها هبة من الله.
هكذا أصبحت مع لب محاضرة لم استوعب رسالتها في حينه. كانت رحلة قدر أصبحت حياتي أسيرة لها. كانت أشبه بفلم خيالي. تحمل مشاهد لا تعيشها. تتخيلها. تتوسع في استنتاجات تأثيرها. ثبت ذلك بعد انتهاء المحاضرة. كان نقاشا لم يستوعب القصة. وقد استوعبت كل مقاله الأمير، ليس ذكاء، لكن دهشة وتعجبا وإبهارا. البعض سمعها نزوة مغامرة. لكن شخصي تعلق في نسيج مناكب رسالتها النافع، «الماء».
تساءلت لاحقا عن سبب استيعاب دخل قلبي وخيّم في ذاكرتي نقشا وفلسفة. أصبح جزءا من ذاكرة طالب شغوف.. ركز صور الزمان، والمكان، والمعلومة. بعد لم أدخل في معارك المسؤوليات والمصالح وصراعاتها. هل كان هذا سبب الاعجاب والاستيعاب؟
كان الأمير يحلم، ولم أكن أعلم أنه يحلم. كان الأمير يأمل، ولم أكن أعرف أنه يأمل. كان الأمير يطمح، ولم أكن أعرف أنه يطمح. كان الأمير يتحدث ببراعة ودقة، ولم أكن أعرف أنه قادر. كان الأمير يتحدث بمسؤولية، ولم أكن أعرف أن مسؤول.
أيقنت أن هذا الأمير شخصية استثنائية، يغرف من بحر معرفة عميق. مؤمن بقضية ندرة الماء. منطلق في الحديث بثقة، وقدرة لم أتوقعها. تمنيت في حينه مقابلته. وبقيت كذلك.
عندما تأتي طفرة الأفكار من خارج الصندوق، فهي بحاجة الى عامل الزمن لقبولها، لكن إذا تم وأد هذا العامل الزمني فإنها تخمد في مهدها. أحيانا تنتهي مع أصحابها. لم يكن يعلم -رحمه الله- أنه زرع شخصي في مناكبها. ويستمر الحديث.
[email protected]


