لقد مثّلت هذه الخطوط الجديدة، المستندة إلى النقوش والكتابات الأصلية في المصاحف والمصادر التراثية ، خطوة غير مسبوقة نحو تأصيل ركيزة أساسية من ركائز الهوية البصرية للمملكة، وتعزيز حضورها الثقافي في المحافل الإقليمية والدولية. فهي لا تعبّر فقط عن المملكة الحديثة، بل تمتد بجذورها إلى حضارات العرب في مكة المكرمة، المدينة المنورة، والواحات الشمالية والجنوبية، ووسط وشرق الجزيرة العربية، حيث كان الخط دائمًا مرآة الفكر، ولسان الشعر، وأداة التوثيق، ومنبر الإبداع. وأحسب أن الحصيلة النهائية لشكل الخطين الجديدين تشبه الخط الذي كتب به المصحف العثماني «أي في فترة الخليفة عثمان بن عثمان -رضي الله عنه-» مما يؤكد الأصل العربي لهذين الخطين الجميلين.
ومع أن العالم العربي يزخر بخطوط عريقة مثل النسخ، والرقعة، والثلث، والديواني، والكوفي، والفارسي، وغيرها، فإن المملكة اليوم تضيف إلى هذه القائمة «الخط السعودي» و»الخط الأول»، لتعزز أنماط الخط العربية المميزة، وتعكس التنوع والتجدد في مسيرة الكتابة العربية.
ولا يُستبعد أن تحذو دول عربية كبرى، مثل مصر والمغرب، هذا النهج السعودي الرائد، فتعتمد رسميًا خطوطًا تعبّر عن هوياتها البصرية الخاصة. وهذه الخطوة السعودية قد تكون الشرارة التي تُعيد الخط العربي إلى موقعه الطبيعي كرمز حي للهوية الحضارية العربية.
كل الشكر والتقدير لوزارة الثقافة السعودية، ولمبادرة مركز الأمير محمد بن سلمان العالمي للخط العربي، ولكل من أسهم في هذا العمل، الذي أرى أنه يتجاوز كونه مشروعًا جماليًا، ليمثّل واجبًا وطنيًا، وحفظًا للتراث، وتجديدًا لمسيرة الإبداع العربي الممتدة منذ قرون.



