الاستهانة بقطرة الماء أشبه بالاستهانة بالحياة والروح. أن نعطها أهميتها في حياتنا على جميع الأصعدة. على كل فرد أن يعتلي بثقافته ومسؤوليته عن حقائق الماء ومصادره، وأبعاد ندرته على حياة الأجيال القادمة، خاصة مع الطلب المتزايد عليه سنة بعد أخرى.
مع استيعاب حقائق الماء وأبعادها يسهل العمل والتعامل، وبالتالي نجاح عملية التعايش معها. كيف نعرف غياب استيعاب حقائق المياه؟ عندما تشكل نتائج حقيقة ندرة الماء فاجعة عطش، فهذا يعني أنها كانت مجهولة خارج الحسابات. في وضعنا كل حقائق الماء واضحة ومعروفة. هذا ينهي وقوع فاجعتها، خاصة لأي مسؤول عن المياه. إن حصلت فاجعة العطش فتلك مصيبة الغفلة والتجاهل وعدم الاكتراث والاهتمام.
ماذا لدينا من موارد مائية طبيعية استراتيجية مع اتساع مساحة أرضنا الجافة؟ تعادل مساحة بريطانيا بحوالي عشر مرات. في هذه المساحة -تزيد عن مليوني كيلومتر مربع- لدينا مصدرين طبيعيين للمياه. الأول هو المطر. الثاني هو المياه الجوفية. مصدران -مع كبر المساحة- أشبه بقطرات ماء تنز من جدار زير الماء.
إن مصدر المياه الجوفية غير المتجددة محدودة الكمية والكيف. مياه احفورية لا تعوض. تقع في مناطق الصخور الرسوبية بمساحة «1.43» مليون كيلومتر مربع من مساحة المملكة. الحقائق تؤكد أن مجموع مساحة مناطقنا الجافة جدا تبلغ حوالي «1.9» مليون كيلو متر مربع من مساحة المملكة، «2.15 مليون كيلومتر مربع». أما مساحة مياه الأمطار فهي ما تبقى من مساحة المملكة، لا تزيد عن «240» ألف كيلومتر مربع من جبال الدرع العربي، «مناطق الجبال المطيرة جنوب غرب المملكة». هذه المساحة هي الخزان الاستراتيجي للمياه الجوفية المتجددة، وتغذي بقية مناطق المملكة غير المطيرة.
قضيت جل حياتي العلمية العملية متحدثا وكاتبا عن هذه المياه الجوفية بشقيها المتجدد وغير المتجدد. كتبت «12» كتابا عنها، وهناك المزيد. كتب تحمل رسائل تحذير، ترسم سياسات، تقدم وعيا بحقائق المياه، وتضع استراتيجيات تؤسس لخطط مسؤولة لبرامج طموحة، من أجل تحقيق استدامة الماء. أتطلع إلى تحقيقه لصالح البيئة، ومنافع أجيالنا القادمة. هذا أحد أركان ما أنجزت أمام نفسي وافتخر.
مع الحقائق والأرقام يتضح أهمية تلك المساحة الصغيرة «240 ألف كيلومتر مربع» لمستقبلنا المائي الطبيعي. السؤال: هل تحظى هذه المساحة بما يجب من الاهتمام والتخطيط البيئي السليم مع ندرة المياه؟
السؤال الأهم والاستراتيجي يأتي دوما من مدى عمق القلق الذي نحمل. وعليه -مع تلك الحقائق- هل يوجد مخاطر نقص ماء تهدد وجودنا؟ نعم يوجد مخاطر لا يمكن تجاهلها وتغييبها. ندرة المياه الطبيعية ومواردها هي التي جعلت أعذبة مياه البحر «التحلية» خيارنا الاستراتيجي الرئيسي، بأغلى الأثمان. السؤال: إلى أي مدى يمكننا الوصول في أمر الثقة في صحة هذا الاختيار؟ ولماذا؟ ويستمر الحديث.
@DrAlghamdiMH


