توظيف «التراث» في المسرح.. ضرورة فنية في مواجهة العولمة

موروث غني يشكل هوية وقيمة عليا ومزية تتسم بها جغرافية المملكة

توظيف «التراث» في المسرح.. ضرورة فنية في مواجهة العولمة

الثلاثاء ١٢ / ١٠ / ٢٠٢١
أكد عدد من المسرحيين أهمية توظيف التراث الشعبي في المسرح، خاصة أن المملكة تمتلك موروثا غنيا وثريا يشكل هوية وقيمة عليا، بشرط إيجاد شكل مسرحي خالص مستمد من التراث الفني والأدبي، وعدم الاتكاء على المضامين والأشكال الجاهزة، وأرجعوا سبب الابتعاد عنها إلى تأثير العولمة الطاغي على كافة الأشكال الفنية، وفي مقدمتها المسرح، فهي هوية كبرى عالمية طاغية، صارت معها العروض المسرحية ذات سمة إنسانية شاملة، بعيدا عن الهموم الشعبية الخاصة، مشددين على أن الحل يكمن في التفكير في التراث الشعبي من زاوية أخرى أكثر حداثة، بحيث نستجلب ما يثري أعمالنا المسرحية من مفردات تراثية في صور فنية جديدة.

تشكيل الهويةقال الكاتب والناقد المسرحي عباس الحايك: العلاقة بين المسرح والتراث قديمة، بدأت مناقشتها في الندوات الفكرية للمهرجانات المسرحية منذ أكثر من 50 عاما، فالمسرحيون يؤكدون أن المسرح لابد أن يكون قريبا جدا من الموضوعات التراثية؛ إيمانا منهم بأنها تشكل هوية ويمكن أن تشكل قيمة عليا، هذه العلاقة تجاوزت التنظيرات، فظل التراث حاضرا في العروض المسرحية، خاصة في الخليج العربي، وكان مسرحيوها أكثر تمسكا بمفردات التراث وما وراءها من حكايات وما جاورها من قصص، حتى إن مهرجان المسرح للفرق الأهلية ركز على توظيف التراث كعنوان في أكثر من دورة من دوراته، وكانت سمة العروض هي اقترابها من التراث وتوظيفها تراث الخليج في العروض المسرحية.


عالمية طاغيةوأضاف: في الألفية الجديدة، ظهرت أصوات كانت تؤكد أن العالم ليس كما كان، وما عادت ثمة هويات صغيرة، بل إن هناك هوية كبرى عالمية طاغية، وهذا ما حدا بالفنون والمسرح منها إلى تبني هذه الأصوات، وصارت العروض المسرحية ذات سمة إنسانية شاملة، فابتعد كتاب النصوص، وأنا منهم، عن الكتابة في التراث، فصار أبعد ما يكون عن الهم المسرحي، فالكتابة الإنسانية تصلح لكل العالم، بينما الكتابة للتراث تعنى بجغرافية محددة وبيئات معينة، لكني الآن أتبنى فكرة أن من التراث يمكن أن نخلق أعمالا إنسانية غير محدودة، فمن المهم الآن أن نفكر في التراث الشعبي من زاوية أخرى أكثر حداثة، ونستجلب ما يثري أعمالنا المسرحية من مفردات تراثية، خاصة أن المملكة بلد غني جدا بالتراث الشعبي المتنوع، فكل منطقة تتفرد بتراثها، والآن نحتاج لأن نقبض على ما يؤكد هويتنا، وأن نقدم مسرحا يشبهنا وقريبا منا.

قيمة الموروث أما المخرج المسرحي والباحث في الموروث أحمد السروي، فقال: المتتبع للفنون الشعبية في المملكة، والدور المتوقع منها في تكريس الوعي الثقافي القادر على تشكيل الصيغة التي تعبر عن الأصالة والهوية، والعمق القيمي السعودي المتغلغل في جذوة الأرض، وما يبدو لنا جليا في التعالق بين الفلكلور والدراما من خلال الفرجة المرتبطة بالفنون الشعبية، وصلتهما بشكل كبير جدا حتى إن الراصد لها لا يمكن له أن يجد حالة انفكاك، بل إن الاتصال وثيق ومباشر وسببي ولا تنفصم عراه إطلاقا، والعلاقة هنا غائرة الجذور في الوعي الجمالي والمكاني، لهذا فالفلكلور والموروث الشعبي لدينا بشكل عام لا يحتاج إلى تعقيد كبير في إخراجه وتقديمه لاتصاله فطريا بالناس في حياتها بشكل كبير.

المظهر الدرامي

ويؤكد السروي «الفلكلور لدينا يملأ خشبة المسرح المفتوح والفضاء الخارجي وفي كل مكان، وبالعودة إلى استلهام الحالة النشطة للفلكلور الشعبي السعودي بوصفه كاشفًا حقيقيًا للمظهر الدرامي من جهة، ويعطي البعد الدلالي والفكري الجمالي الشفاف والصادق من جهة أخرى من خلال الأشكال التعبيرية ما قبل مسرحية ذات المظهرالمسرحي، وهي مزية تتسم بها جغرافية وطبوغرافية المملكة في اختلاف تضاريسها ما بين الجبال والسهول والقرى والأودية وحتى الصحراء والسواحل وهذا تنوع يضفي قيمة سلوكية فيما بين التأثير والتأثر من خلال تشكيلة كبيرة ومتنوعة من العادات والتقاليد الثقافية والطقوس والممارسات المرتبطة بالفنون الشعبية في بعدها وعمقها الزماني والمكاني وتضاريسها الفنية لهذه المجتمعات المترامية الأطراف والتي تعتمد كثيرا على اللهو والتسلية والغناء وتشبع في ذاتها الحاجة إلى إقامة أواصر عميقة من الصلات المباشرة بالطبيعة وعناصرها التي تتحكم بها

حضور فاعلوتابع: الدعوة حثيثة بأهمية حضور التراث السعودي وقضاياه وإشكالياته ومفاهيمه ومصطلحاته على مستوى الإجراء والفعل والمثاقفة في مختلف حقول الفن والأدب والمعرفة والدراما، بعيدا عن حالات التناص الذي يقود إلى التكرار الأعمى وربطه بالمسرح، لأنهما، بحسابات الجمال والفكر، يعدان صنوَي الإبداع، والأهمية تكمن في تكثيف المشروع المسرحي السعودي من خلال الجهات الرسمية ذات العلاقة والمباشرة، وتحديد المستهدفات التي نحاول الوصول إليها، ودعم التجربة المسرحية السعودية وتوظيف هذا التراث بشكل مغاير وإبداعي ومميز، يذهب بنا دوما في اتجاه ترسيخ الهوية، وتعزيز حضوره كقوة ناعمة وباعثة للذات وموصلة وصانعة لهذه المظاهر والأشكال المسرحية باعتبار قيمة الموروث من أساليب التأصيل الحضاري والإنساني التي تسهم في تتويج المسيرة الثقافية والاحتفالية كقوة ناعمة وحقيقية للمملكة، على مستوى فنون الطرب والأهازيج والأشعار المجالسية، والفرجات الدرامية والألعاب الشعبية المختلفة.

علاقة واقعيةوتحدث الكاتب المسرحي أحمد أبودياب قائلا: توظيف التراث في المسرح أمر مهم، ولكن الإشكالية تكمن في كيفية توظيف التراث الشعبي في المسرح، فالتراث لابد أن يكون نقطة اتكائية للمبدع، ينطلق بها من التراث إلى الواقع، كذلك من المهم استخدام التراث في استشراف المستقبل، فيجب ابتعاث التراث من خلال نصوص تحتك بالواقع، وهذا هو المطلوب، فعلاقة المسرح بالتراث ليست ثانوية بقدر ما هي علاقة حميمة يفرضها الواقع، كما أن الأشكال والمضمونات التراثية يمكن أن تؤدي إلى نتائج عكسية إذا ما استخدمت بصورة سطحية.

مسرحيو المملكة الأكثر ارتباطا وتمسكا بمفردات التراث وحكاياته وقصصه

التفكير في التراث الشعبي من زاوية أكثر حداثة يحل المشكلة الراهنة
المزيد من المقالات
x