ميركل مديرة الأزمات الألمانية تغادر المسرح السياسي بهدوء

تصدرت قائمة «فوربس» لأقوى نساء العالم 10 مرات على التوالي

ميركل مديرة الأزمات الألمانية تغادر المسرح السياسي بهدوء

الثلاثاء ٢٨ / ٠٩ / ٢٠٢١
إذا كانت هناك سمة مشتركة تميز حقبة أنجيلا ميركل كمستشارة لألمانيا، فهي الأزمات التي أدارتها خلال قيادتها البلاد على مدار ما يقرب من 16 عاما في المنصب.

قالت ميركل مؤخرًا ببراغماتيتها المعتادة: «الحياة دون أزمات ستكون بالطبع أبسط، لكن عندما تظهر، لا بد من التغلب عليها»، مضيفة إن هذه الأزمات - التي يأتي الكثير منها من الخارج - تُظهر أن الألمان «جزء من كلية عالمية». أول نوع من هذه «الكلية» حل بعد تولي ميركل منصبها في عام 2005 في صورة الأزمة المالية والمصرفية العالمية في خريف عام 2008، والتي كادت تعصف بمصرف «هيبو ريال ستيت» للتمويل العقاري في ألمانيا.


وقامت ميركل ووزير المالية آنذاك بير شتاينبروك، بعمل ثنائي رائع أمام الكاميرات لتهدئة المستثمرين الألمان، وقالت أمام الصحفيين وهي ترتدي بدلة رمادية داكنة ويداها ملامستان بعضهما بعضًا على شكل جوهرة ماسية، وهي حركة اعتادت الظهور بها في الفعاليات العلنية: «نقول للمودعين إن ودائعهم آمنة»، فيما أكد شتاينبروك على تصريحات ميركل قائلا: إن هذه التأكيدات «إشارة مهمة» لتجنب «ردود فعل قد تزيد من صعوبة التغلب على الأزمة».

كلمات فعالة

كلماتها المختارة بعناية كانت فعالة، حيث لم يتحقق الانهيار المصرفي المتوقع، وتم لاحقا تأميم «هيبو ريال ستيت»، كما تدخلت الدولة لدعم بنوك أخرى، مثل «كومرتس بنك»، بمليارات اليورو من الأموال العامة.

ومن هذه الأزمة انتقلت ألمانيا مباشرة إلى أزمة اليورو، حيث واجهت دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي - واليونان على وجه الخصوص - الإفلاس بسبب الديون الوطنية المرتفعة.

وكان وجود اليورو ذاته على حافة الهاوية، وقالت حكومة ميركل في ذلك الحين: «إذا فشل اليورو، ستفشل أوروبا، ولا يمكن السماح بحدوث ذلك»، وقالت ميركل: إن ألمانيا مستعدة لتقديم المساعدة.

لكن «الشروط الصارمة» التي فرضتها المستشارة على تلك المساعدات حوّلتها إلى شخصية مكروهة، لا سيما في اليونان، حيث كان يتم إظهارها بشكل متكرر على اللافتات وفي المظاهرات بالزي النازي، ومع ذلك، فإن تجنب الأضرار الجسيمة التي لحقت بالاقتصاد الألماني وحماية اليورو أكد أن محرك الاقتصاد الأوروبي بقي سالما.

وبالمثل تعاملت ألمانيا تحت قيادة ميركل مع جائحة كورونا بحزم صارم، وقالت ميركل في خطاب تليفزيوني نادر في مارس 2020: «هذا أمر خطير، خذوا الأمر على محمل الجد».

وحثت المستشارة على اتباع نهج حذر، وضغطت مرارًا من أجل اتخاذ إجراءات أكثر صرامة رغم معارضة بعض قادة الولايات الألمانية الستة عشر، وتم توضيح حدود سلطتها في النظام الفيدرالي المعمول به في ألمانيا، حيث رفض رؤساء حكومات ولايات في بعض الأحيان اتباع سياستها بحذافيرها في هذا الشأن. وأظهرت ميركل نفوذها الأوروبي عبر دفعها إقرار صندوق الاتحاد الأوروبي للإنعاش الاقتصادي بقيمة 750 مليار يورو (880 مليار دولار) بدعم من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.

تجسيد ألمانيا

يقول الصحفي والكاتب البريطاني الشهير جون كامبفنر: إن التغلب على هذه الأزمات يعني أن ميركل أصبحت تجسد «رغبة ألمانيا العميقة في الاستقرار».

لكن هذا التحليل لا يزال بعيدا عن الصورة الكاملة، فعلى مدار عقد ونصف اختارت ميركل أيضا إنهاء الاستقرار، وكان ذلك على حسابها الخاص في كثير من الأحيان.

ففي عام 2010، أنهت ألمانيا التجنيد الإلزامي وبدأت في الاعتماد على جيش محترف، مخالفة بذلك تقاليد ما بعد الحرب المتمثلة في جيش من المواطنين العاديين.

وبعد مرور عام على ذلك، وقعت كارثة فوكوشيما النووية في اليابان، والتي كان من تداعياتها إصدار قرار مفاجئ في ألمانيا بالتخلي عن الطاقة النووية.

لكن من بين جميع الأزمات التي واجهتها ميركل، تعتبر أزمة الهجرة في 2016-2015 انعكاسا لإرثها السياسي الأكثر تعقيدا واستمرارية في ألمانيا.

ومن بين جميع التصريحات التي أدلت بها ميركل كمستشارة، لم يكن لأي منها مثل هذا الصدى الذي خلفته كلماتها لسنوات عندما قالت في 31 أغسطس 2015: «لقد نجحنا في كثير من الأمور، وسوف ننجح في هذا»، وذلك حينما كان العدد الهائل من اللاجئين الذين يحاولون الفرار من الشرق الأوسط للوصول إلى شمال أوروبا غير واضح بعد.

في الساعات الأولى من يوم 5 سبتمبر قررت الحكومتان الألمانية والنمساوية ترك حدودهما مفتوحة - وهي في النهاية حدود داخلية في منطقة الانتقال الحر «شينغن» - أمام آلاف اللاجئين العالقين في المجر.

استغلال موجة

وقد أدت هذه الأزمة إلى ارتفاع تأييد حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني الشعبوي في استطلاعات الرأي، ودخوله إلى البرلمان الألماني (بوندستاج) في انتخابات 2017 بعد استغلاله موجة من المشاعر المعادية للأجانب، وذهب جزء من أصوات الحزب المسيحي الديمقراطي إلى «البديل الألماني» في هذه الانتخابات. وأدت الزيادة الحادة في أعداد المهاجرين أيضا إلى انقسام سياسي عميق بين الحزب المسيحي الديمقراطي وشقيقه الأصغر، الحزب المسيحي الاجتماعي البافاري، ما هدد بانهيار الحكومة الائتلافية. وكشفت هذه الأزمة أيضا النقاب عن جانبين من ألمانيا الحديثة: فقد أصبحت ميركل في بعض المناطق شخصية مكروهة وهدفا للاحتجاجات، بينما حمل الألمان في مناطق أخرى ملصقات ترحيب بالوافدين الجدد.

وأدى الانخفاض الحاد اللاحق في أعداد الوافدين إلى البلاد ثم أزمة جائحة كورونا إلى نوع من الهدنة، لكن الجهود المبذولة لاستيعاب أكثر من مليون لاجئ - أكثر بكثير من أي بلد آخر في تلك الفترة - غيّرت ألمانيا بطرق بدأت تتضح معالمها الآن.

ولا تزال ميركل، التي تبلغ من العمر 67 عاما، مشهورة بالتجهيز الدقيق قبل الاجتماعات، ومعالجة المشكلات بالطرق العلمية التي اكتسبتها خلال حصولها على درجة الدكتوراه في الفيزياء في ألمانيا الشرقية في سبعينيات القرن الماضي.

وبينما تصدرت ميركل قائمة مجلة «فوربس» لأقوى نساء العالم 10 مرات على التوالي، حرصت المستشارة على أن تبقى حياتها الخاصة بعيدة عن الأضواء.
المزيد من المقالات
x