«التشريعات الإدارية» رسخت القيم الاجتماعية وشكلت أسس الدولة العصرية

«التشريعات الإدارية» رسخت القيم الاجتماعية وشكلت أسس الدولة العصرية

السبت ٢٥ / ٠٩ / ٢٠٢١
لم تكد تنتهي العقود الخمسة التي قضاها الملك عبدالعزيز «رحمه الله» في مسيرة التوحيد، انطلاقا من فتح الرياض عام 1319 هـ حتى وافاه الأجل عام 1373 هـ، حتى كانت المملكة العربية السعودية دولة عصرية في كل أنظمتها وتشريعاتها مع المحافظة على القيم الدينية والاجتماعية لكل فئات المجتمع -المتعدد الثقافات- الممتد من الخليج العربي إلى البحر الأحمر.

وبشهادة المؤرخين الذين عاصروا المؤسس، فقد تميز برؤية استشرافية بعيدة المدى مع إلمام واسع بما يدور في العالم من تطورات وأحداث سياسية واقتصادية، ما منحه القدرة على بناء دولة عصرية في مساحة جغرافية واسعة، كانت لها نظمها القبلية الخاصة بحكم استقلالها الدائم وعدم خضوعها لأي استعمار أجنبي، ولأن الأمن أساس أي نهضة أو حضارة فقد كان أول اهتماماته «رحمه الله» تركيز دعائم الاستقرار والسلم الاجتماعي، من خلال منح أمراء الأقاليم بعض الصلاحيات التي تمكنهم من تطبيق الشريعة الإسلامية وحفظ الأمن ومساعدة عمال الزكاة.


وأسهمت الرؤية المستقبلية الخلاقة التي امتلكها الملك عبدالعزيز في الاستفادة من الأنظمة العربية والأوروبية التي كانت سائدة، وهي التي سماها د. إبراهيم بن عويض العتيبي في كتابه «تنظيمات الدولة في عهد الملك عبدالعزيز 1343- 1373هـ»، «الروافد الخارجية» التي وضعها الملك عبدالعزيز أمام مجالس الدولة الاستشارية علاوة على وجود مستشارين من جنسيات متعددة في بلاطه ولكن آراء أولئك المستشارين والاقتباس من تلك النظم أخضعها الملك عبدالعزيز للتشريع الإسلامي ولمصلحة البلاد وحاجتها.

وحرص المؤسس على مشاركة الأهالي في الإدارة، مع وضع هياكل إدارية تتماشى مع التغييرات والتبدلات السياسية، ونظرا لأهمية إدارة الحجاز فقد عيّن ابنه فيصل نائبا عنه في الحجاز، ثم أجرى إصلاحات إدارية وتنظيمية في مجالات القضاء والمحاكم وشؤون الحرمين والأوقاف والمساجد والمؤسسات الدينية، والأمور الداخلية مثل الأمن العام والبرق والبريد والصحة العامة والبلديات والأشغال والتجارة والزراعة والصناعة والمعادن والمؤسسات الخاصة، إضافة إلى إصلاحات في الأمور المالية مثل إدارات الواردات والمنصرفات والجمارك والرقابة المالية، أما الأمور العسكرية فهي مرتبطة بالملك مباشرة.

وأنشأ 4 مجالس، هي: مجلس الشورى والمجلس الإداري ومجالس النواحي ومجالس القرى والقبائل، كانت من أبرز التنظيمات الإدارية التي أمر بها الملك عبدالعزيز إضافة إلى تشكيل لجنة التفتيش والإصلاح في غرة محرم 1346هـ، كانت مهمتها مراجعة عامة للجهاز الإداري للدولة وتحسس مواطن الخلل فيه والعمل على إصلاحه وتنفيذا لسياسة الملك عبدالعزيز الهادفة إلى إعادة تنظيم أجهزة الدولة الإدارية لبسط السلطة على جميع مناطق دولته.

ولمراعاة الفوارق الإقليمية المختلفة، أنشأ المؤسس عدة أجهزة تنفيذية وإدارية، منها النيابة العامة وهي المرجع العمومي لجميع دوائر الحكومة وأقسام إداراتها، وكل واحد من مديري الدوائر ورؤسائها يكون مسؤولا أمامها عن حسن جريان الأمور الداخلية في دائرة وظيفته، وهي مسؤولة أمام الملك، وبقيت النيابة العامة على هذا التشكيل إلى أن صدر نظام مجلس الوكلاء عام 1350هـ الذي ألغى النيابة العامة.

وأنشأ أيضا «مجلس الوكلاء»، وهو تطوير لفكرة المجلس التنفيذي الذي تشكل عام 1345هـ نتيجة لاقتراح لجنة التفتيش والإصلاح، التي أوصت بتكوين مجلس تنفيذي من رؤساء الدوائر الحكومية في الحجاز لمساعدة النائب العام في مهامه التنفيذية، وكان يؤدي بعض الوظائف التشريعية ويتولى الوظائف التنفيذية معا.

وكان الملك عبدالعزيز يعتبر الشورى أمرا واجبا في إدارته لذلك أمر بانتخاب أعضاء مجلس الشورى الذي كان تطويرا لمجلسين هما: المجلس الأهلي والمجلس الاستشاري، وتشكل أول مجلس من أعضاء متفرغين عام 1346هـ مقره مكة المكرمة، وبقي مجلس الشورى مهيمنا على معظم أعمال الدولة التشريعية والتنظيمية، خاصة في الحجاز إلى أن تأسس مجلس الوزراء الذي ضم خمس وزارات هي: الخارجية والداخلية والمالية والصحة والمواصلات والمعارف.

وجاء التنظيم المالي للدولة في أعلى اهتمامات المؤسس، فصدر في عام 1351هـ مرسوم ملكي بتأسيس وزارة للمالية في مكة المكرمة، ثم ألحق بها على فترات مختلفة عددًا من الإدارات الحكومية، مثل مصلحة الجمارك والخزينة الخاصة ووكالة الدفاع ومصلحة المعادن والأشغال العمومية وإدارة الأبنية وتعبيد الطرق ومصلحة سجل العلامات الفارقة ومالية الأحساء، ونظرا للتطور الكبير الذي حدث في المملكة فقد استقلت بعض الإدارات، وأسست أخرى جديدة تابعة لوزارة المالية وهي: مصلحة الزكاة والدخل ومؤسسة النقد العربي السعودي.

ويشير مؤلف كتاب «تنظيمات الدولة في عهد الملك عبدالعزيز» إلى أن التعامل النقدي في المناطق التي تشكلت منها المملكة كان يجري قبل توحيدها على تعدد العملات واختلافها باختلاف المناطق وتعددها، ففي المنطقة الشرقية استخدمت العملة الهندية، وفي المنطقة الجنوبية استخدمت النقود العثمانية والإنجليزية، وفي نجد كثر تداول العملة النمساوية وغيرها من عثمانية وبريطانية وهندية، وفي الحجاز سادت العملة العثمانية والهاشمية في التعامل، هذا إلى جانب ما يجلبه الحجاج من عملات أقطارهم، ولا شك في أن هذا الخليط من العملات مع غياب عملة رسمية موحدة أدى إلى فوضى في التعامل وأثر على العمل التجاري والرسمي، ولذلك أصدر المؤسس عام 1346هـ/ 1927م أول نظام للنقد باسم «نظام النقد الحجازي النجدي المسمى بالنقد العربي» وتوالت بعده الإصدارات المالية من الريال العربي وفئاته من الفضة، حتى أصبح في المملكة قاعدتان للعملة النقدية قاعدة المعدن ويمثلها الذهب والفضة، وقاعدة العملة الورقية، وهذا النظام النقدي كان له تأثير كبير على موازنة الدولة من حيث تقدير الواردات، سواء كانت من الموارد المحلية أو من الجمارك على الواردات الخارجية، أو من النفط المرتبطة أسعاره بالعملات الأجنبية.
المزيد من المقالات
x