اجتماع «بيت البيعة» غير مسار الحياة.. وهمة «المؤسس» قهرت التحديات‏

د. الملا يروي في حديث خاص لـ «اليوم» قصة دخول الملك عبدالعزيز الأحساء

اجتماع «بيت البيعة» غير مسار الحياة.. وهمة «المؤسس» قهرت التحديات‏

الخميس ٢٣ / ٠٩ / ٢٠٢١
يروي الباحث في التاريخ والتراث الإسلامي د. محمد الملا، في حديث خاص لـ «اليوم»، قصة دخول المؤسس الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -يرحمه الله- للأحساء، وما شهدته في عهده من تحول كبير أعاد لها الأمن والأمان والاستقرار، بعد أن كانت تعيش انعدام الأمن والفوضى ‏وعدم الاستقرار، وكيف شهد بيت البيعة اللقاء التاريخي بين المؤسس ومناصريه من أهالي الأحساء، ممن بايعوه على السمع والطاعة، فكان عام 1331 تاريخا مميزا وفاصلا بين حقبة وأخرى في تاريخ الأحساء، حيث شهد سطوع عهد ساد به الأمن والأمان والرخاء والاستقرار.

فجوة كبيرة بين الأهالي والوالي ‏العثماني قبل الضم


قال د. الملا: كانت الأحساء وتوابعها منطقة تجارية وزراعية وصناعية فكان فيها اكتفاء ذاتي من الطعام والشراب والملبس وما يحتاجه السكان من الصناعات اليدوية كالنجارة والحدادة ‏وغيرها، وأيضا كان للتجارة نصيب من التنوع الاقتصادي، وذلك لموقعها الجغرافي المتميز بين الشرق والغرب، إلا أن الزراعة وتنوع المحاصيل الزراعية كان السمة‏ الأبرز في الحياة المعيشية لأهل الأحساء.

و‏في بداية القرن الرابع عشر الهجري شهد نهاية الحكم العثماني في الأحساء، وذلك كان واضحا بانعدام الأمن والفوضى ‏وعدم الاستقرار بين مدن وقرى الأحساء، وكان للوضع الأمني المتردي عدة أسباب منها: الغزو المتكرر لبعض أهل البادية‏ على مدن وقرى ومزارع الأحساء، حتى القوافل التي كانت تسير بحماية الدولة العثمانية لم تسلم‏ من ‏الإغارة ‏عليها، وقتل من فيها‏ ونهبهم، ولم تستطع الدولة العثمانية القيام بشيء؛ مما أدى إلى مزيد من التدهور في الوضع الأمني، وحصول تذمر ‏على نطاق واسع، وعدم رضا وحصول فجوة كبيرة بدأت بالاتساع بين أهل الأحساء والوالي ‏العثماني؛ مما دفع ‏بعض أهل الأحساء بدعوة الملك عبدالعزيز -يرحمه الله- لتكون الأحساء تحت حكمه العادل، فتحرك ‏رحمه الله إلى تلبية ذلك واستطاع ‏بفضل من الله ضم الأحساء وإعادة الأمن ‏والاستقرار المفقودين في المرحلة السابقة.

وعد بالمؤازرة‏ وتهيئة الأجواء من الداخل

أوضح د. الملا أنه كان من أبرز نتائج الاجتماع هو دعوة الملك عبدالعزيز -رحمه الله- لإنقاذ‏ الأحساء من التخبط الأمني والفوضى السياسية،‏ عندما أصبح الوضع الأمني في الأحساء وما جاورها لا يطاق والفوضى العارمة، تم في يوم 4/1/1331 عقد اجتماع مصغر في منزل الشيخ أحمد بن عمر الملا في الكوت، بحضور كل ‏من الشيخ ‏محمد بن أحمد الملا والشيخ عبدالله بن عبداللطيف الملا والشيخ عبدالرحمن الجغيمان والشيخ عبداللطيف الجغيمان‏، وتم في هذا الاجتماع مناقشة كيفية الخروج من الوضع السائد في البلاد ووصلوا إلى ‏أمر حتمي يكمن‏ في طلب الاستنجاد ‏بالملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، فكتبوا له يطلبون منه‏ بسط‏ حكمه‏ على الأحساء ووعدوه بالمؤازرة‏ والنصرة‏ وتهيئة الأجواء له من الداخل ضمن‏ خطة محكمة لضمان‏ نجاح هذا الأمر.

‏تدابير نقل الحكم دون إراقة الدماء

عندما دخل الملك‏ عبدالعزيز -طيب الله ثراه- الكوت كان في استقباله عدد محدود ممن اطلع على خطة ‏دخول الأحساء وانطلقوا جميعا إلى بيت ‏المفتي العلامة الشيخ عبداللطيف بن عبدالرحمن الملا، وهذا البيت تم تسميته «بيت البيعة»، وما زال هذا البيت‏ شامخا يروي قصة من أعظم قصص التاريخ في عصرنا الحاضر، ‏واستقبله المفتي‏ الشيخ عبداللطيف الملا‏ استقبالا حارا ورحب به، ‏وصحبه الكرام، ‏ومنهم عبدالله بن جلوي وعبدالعزيز ‏بن تركي، وكان ‏بحق لقاء تاريخيا وقمة كتب لها النجاح قبل انعقادها‏ وإجراء الحديث عما يفترض القيام به في هذا الوقت الحرج والضيق‏ من تدابير وإجراءات تضمن نقل الحكم إلى الملك عبدالعزيز دون إراقة الدماء.

‏وقام المفتي الشيخ عبداللطيف الملا بدعوة وجهاء الكوت بسرعة للاجتماع في منزله بحضور الملك عبد العزيز – يرحمه الله - لمناقشة هذا الأمر وماذا سيكون مصير البلاد التي إذا تم ‏هذا الأمر ستشهد تحولا جذريا في الحياة المستقبلية للسكان في هذا البلد، وبعد ساعات من المناقشة واستعراض مجمل ما سيكون عليه الوضع بايع جميع الحضور ‏الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود على الحكم بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وعلى السمع والطاعة وعلى نصرته ومؤازرته فكان النداء التاريخي (الملك لله ثم لعبدالعزيز)، وبعد أخذ البيعة للملك عبدالعزيز في مجلس المفتي الشيخ الملا، أصدر الملك عبدالعزيز الأمر لأحد رجاله بأن يصعد‏ فوق السور وينادي «الملك لله ثم إلى عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود» وكان هذا النداء قد زلزل ‏الأرض تحت الحامية العثمانية الموجودة في القلعة الذين صدموا‏ بهذا الواقع مما جعلهم يطلقون النار في كل اتجاه فبادلهم‏ جيش الملك عبدالعزيز النار واستمر إطلاق النار بشكل مستمر أحيانا ومتقطع أحيانا إلى صباح اليوم التالي، وبدأت الأمور تتجه إلى تصعيد ينذر‏ بالدمار والخراب بعد توجيه الجيش العثماني المدافع على الكوت ومنها بيت البيعة محل إقامة الملك عبدالعزيز ومنعا للخطر الذي بانت ملامحه وأصبح وشيكا انبرى الشيخ أبو بكر رحمه الله للعمل على تهدئة الأوضاع وحقن الدماء فذهب إلى المتصرف العثماني أحمد النديم وكانت للشيخ أبو بكر الملا «رحمه الله» مكانة عظيمة ومهابة لدى المتصرف والحامية التركية لما عرف عنه من الصلاح والإصلاح والمنزلة في المجتمع الأحسائي، وتفاوض معه وأخبره أن الأمر منته وأن المجتمع ضاق ذرعا بحالة عدم الاستقرار والفوضى لذلك طلب منه الرحيل هو وحمايته وأهله ومن معهم جميعا، وكان عددهم قد تجاوز الألفين، وتم التفاوض حول خروجهم بأمان، ووافق الملك عبدالعزيز –طيب الله ثراه- على خروجهم بالأسلحة الخفيفة دون الثقيلة والمدافع وتم توصيلهم إلى ميناء العقير وتوجهوا إلى البحرين، ثم البصرة، وقد رافقهم ثلاثون رجلا مسلحا من أهل الكوت لضمان وصولهم بالسلامة إلى ميناء العقير، وبعد البيعة الخاصة التي تمت في بيت الشيخ عبداللطيف الملا للملك عبدالعزيز وخروج الحامية التركية وزوال الخطر توافد أهل الأحساء جميعا مهنئين ومبايعين الملك عبدالعزيز آل سعود على السمع والطاعة، فكان عام ١٣٣١ تاريخا مميزا وفاصلا بين حقبة وأخرى في تاريخ الأحساء حيث شهد سطوع عهد ساد به الأمن والأمان والرخاء والاستقرار.

التغلب على مصدر الإزعاج والتهديد

بوادر النصر تلوح بالأفق

وقال د. الملا: عندما تيقن الملك عبدالعزيز -رحمه الله- على أن بوادر النصر قد تحققت ولاحت بالأفق ‏البشائر في دخول الأحساء والتغلب على الجيش العثماني واضح بتوفيق من الله سبحانه، ثم الخطة التي رسمت بعناية وتم‏ الأخذ ‏بالحسبان لكل ‏طارئ ما وحصر جميع الصعوبات والعقبات التي قد تواجهه في تنفيذ هذه الخطة،‏ سار الملك عبدالعزيز بعون من الله سبحانه منطلقا إلى الأحساء‏ متقدما جيشه الباسل متسلحين‏‏ بالإيمان بالله وحده، ثم بعدالة ‏‏القضية التي يسعون إلى تحقيقها.

وكانت همة الملك الشاب الطموح لا يقف أمامها تحديات‏ أو عقبات وكانت من ضمن هذه التحديات ضمان ولاء‏ بعض القبائل أو عدم تدخلها على أقل تقدير فكان من الضروري التصرف تجاه ذلك‏ قبل دخول الأحساء، فعمل -رحمه الله- على إزاحة ‏القبائل عن طريقه وعدم التصادم معها بشكل مباشر خوفا من عدم التزامهم ‏تجنب مهاجمة جيش الملك عبدالعزيز -رحمه الله- ‏فتظاهر ‏أنه عازم على مهاجمة إحدى القبائل في ذلك الوقت، وهذا ما قام به -رحمه الله- بالإيحاء ‏إلى الوالي العثماني ‫‏بأن‏ تواجده ‏لهذا الغرض فقط، وهذا الموقف حقيقة يتجلى به الذكاء والحنكة السياسية التي كان يتمتع بها الملك عبدالعزيز -رحمه الله- في التغلب على عدة عقبات ‏شائكة في ‏وقت واحد دون أن يثير الشك في تحركه ‏بجيشه.‬‬‬

ساعة الصفر والجزء الأصعب بخطة التمكين

أشار د. الملا إلى أن الخطة المعدة سلفا بين الملك عبدالعزيز ومن ناصره من أهل الأحساء كانت تتضمن التوجه إليها والتواجد خارج مدينة الكوت ‏في مكان يسمى الرقيقة، وكانت نقطة الانطلاق منها في تنفيذ القرار التاريخي بضم الأحساء، فقام -رحمه الله- بتقسيم جيشه مبقيا‏ الجزء الأعظم في الرقيقة وانطلق‏ بجزء ‏من جيشه إلى الكوت، وهناك تم تنفيذ القسم الأصعب والأخطر من الخطة والتي تمثلت بداية بملاقاة الشيخ أحمد الملا والشيخ محمد الملا بين النخيل‏ مساء يوم 4/5/1331، والتقى بهما وساروا معا‏ حتى وصلوا إلى الكوت ودخلوها عن طريق‏ فتحة من جهة السور ‏الغربي،‏ وكانت أوامر الملك عبدالعزيز واضحة وصارمة بعدم ارتكاب أي خطأ‏ عند دخول جيشه إلى الكوت في مجموعات صغيرة تتحرك بشكل سريع ودون التحدث مع أحد؛ منعا‏ من انتشار الخبر قبل أوانه، وعندما اكتمل العدد المطلوب لهذه المجموعات قام الملك عبدالعزيز -رحمه الله- في تخطيط تجلت فيه‏ القيادة العسكرية في أوجها في مثل‏ هذا الموقف، فقام بتقسيم هذه المجموعات إلى ثلاث فرق‏ الأولى منها لمهاجمة الوالي إذا أصدر الأمر بذلك وهذا في حالة الضرورة القصوى،‏ الفرقة الثانية عند أبراج سور القلعة المتواجد فيها‏ الحامية ‏العثمانية،‏ والفرقة الثالثة عند البوابة الشرقية للكوت‏ وتم التوزيع في الليل بهدوء وحذر بالغين وانتشر جيش الملك عبدالعزيز داخل الكوت‏ تمهيدا للقسم الأخير من خطة «النصر والتمكين».
المزيد من المقالات
x