«اليوم» والدمام نواة نهضة ثقافية حقيقية في حياتي

سمير الفيل: تعرفت على الوجوه الصحفية والفنية والشعرية السعودية المتألقة

«اليوم» والدمام نواة نهضة ثقافية حقيقية في حياتي

الثلاثاء ٢٧ / ٠٧ / ٢٠٢١
حدثنا عن السنوات التي قضيتها في جريدة «اليوم»..

ـ بدأت العمل في «اليوم» في أغسطس 1991، وشاركت في عودة الملحق الأسبوعي، وأذكر أول مشاركة لي، وكانت مقالًا عن شاعر مكة حسين سرحان، وكنت أحضر عملية التنفيذ والمراجعة بقسم الإخراج، وشيئًا فشيئًا أصبحت واحدًا من محرري الجريدة، وأذكر أن عبدالرؤوف الغزال جعلني أتلقى مشاركات الكتاب في صفحة الرأي، ومنهم: عبدالوهاب المسيري، رجاء النقاش، فائق فهيم، حلمي سالم، محمود بقشيش، وكما كلفني باستقبال سلسلة «مكاشفات السيف والوردة» لعبدالعزيز مشري، الذي سجلت مقابلة معه بجمعية الثقافة والفنون، كما استفدت من زمالة الأصدقاء عبدالرحمن السليمان، ومحمد الدميني، وأحمد سماحة، ونجحنا في إعادة الملحق إلى سابق عهده.


وأتصور أني تعرفت بقوة على حركة الفن التشكيلي الناهضة، وقابلت فنانين «كبار» من طراز: عبدالله الشيخ، علي الصفار، منيرة موصلي، زمان جاسم ـ محمد المصلى، منير الحجي، حميدة السنان، كمال المعلم، وأصبحت مشاركًا في أنشطة جمعية الفنون بالدمام، وهي نفس الفترة التي تعرفت فيها على أصوات شعرية مهمة كالشاعر الرائد علي الدميني، وإبراهيم الحسين، وأحمد الملا، ومحمد عبيد الحربي، ومحمد الدميني وغيرهم، كما تعرفت على شباب تلك المرحلة وهم موهوبون فعلًا: عبدالوهاب العريض، عبدالعزيز إسماعيل، وغسان الخنيزي.

وأتصور أنني رغم قصر مدة العمل بالجريدة، فقد شاركت في نهضة ثقافية حقيقية، وبعد سنوات الإعارة فضلت العودة إلى مصر وظللت مراسلًا ثقافيًا للجريدة حتى عام 2000.

حدثنا كيف كان المشهد الثقافي سابقًا.. وكيف تراه حاليًا في المملكة؟

ـ حسب رؤيتي عن بُعد، فإن الفترة التي قضيتها بالمملكة في بداية التسعينيات كانت تموج بحركة ثقافية جيدة، وهو ما انعكس على الملاحق الثقافية في الصحف، خاصة في «اليوم»، أما حاليًا فأتابع المشهد من بعيد، وأعرف صعود الرواية في المملكة، ومن فرسانها: عبده خال، ويوسف المحيميد، وعواض العصيمي، ورجاء عالم، وأميمة الخميس، وكنت قد كتبت عن أول إصداراتها «الضلع حين استوى»، فالكتابة في المملكة ناصعة، غير أنها تفتقد النقاد المتابعين، وهذا النقص تحاول الجامعة سده، والمسألة تحتاج إلى إعادة فرز للواقع المحلي، ومراجعة التجارب والكتابة، والبحث عن الأصيل منها.

وبإيجاز أقول إن المملكة قارة صغيرة، كتابها يمتلكون الوعي لتشكيل نصوصهم، عليهم نفض الغبار عن مشاهدهم، والكتابة بعناية عما يعرفونه.

ماذا عن أهم الجوائز التي حصلت عليها؟

ـ حصلت على جوائز عديدة، منها جائزة «موبل» لأدب الطفل 1989، وجائزة القوات المسلحة «1975»، لكن أهمها عندي جائزة الدولة التشجيعية عام 2016، أما جائزة هذا العام فهي غير متوقعة، ونلتها وأنا على أعتاب السبعين، وهي جائزة ساويرس لكبار الكتاب في القصة القصيرة، وأهميتها تكمن في كونها ممنوحة من مؤسسات المجتمع المدني وعبر لجان تحكيم لها مصداقية عالية.

اعتمدت في أعمالك القصصية بشكل كبير على مخزون الطفولة.. هل هذا صحيح؟

ـ سجلت هذا الرأي الباحثة هبة زغلول التي حصلت على درجة الماجستير في أعمالي القصصية، فقد رأت أن عالم الطفولة الغني قد مد الكاتب بعناصر حية للقص، وأضيف لما قالته إن ثلاث مجموعات من إنتاجي تظهر قوة الأثر بجلاء فيها، وهي «مكابدات الطفولة والصبا» و«صندل أحمر» و«هوا بحري»، الأولى عن عوالم بيع الأحذية بالمدينة، والثانية عن عمل الصبي في ورش الأثاث، أما الثالثة فهي لقطات منتزعة من منطقة عزبة البرج ورأس البر، وتشيع فيها مفردات وعناصر عالم الصيادين.

هل لتجربتك العسكرية بعد حرب 1973 أثر على كتابتك القصصية؟

ـ لم أحارب في أكتوبر 1973، لكني انخرطت في كتيبة مقاتلة في العام التالي، 1974، وكان لذلك أثره في سماع شهادات المحاربين، وهو ما سجلته في روايتين لي هما «رجال وشظايا»، و«وميض تلك الجبهة»، ويقول جورج جحا في تعليقه على كتاباتي عن الحرب: «هذا كاتب شديد الوعي، فهو يكتب عن المحاربين لا عن الحرب، لذلك تشيع في تجربته الأبعاد الإنسانية». وهو ما نشر في تقرير لوكالة أنباء «رويتر».

ماذا كان تأثير وصية الأديب الكبير يحيى حقي على عالمك القصصي؟

ـ حين قابلت العظيم يحيى حقي في مدينة دمياط، حدثني عن الفارق بين القصة القصيرة والرواية، وأظنني استفدت جدًا من وجهة نظره، وكتبت القصة القصيرة بتقشف في اللغة، وبتركيز على حدث واحد، لكني خرجت أحيانًا عن النمط ودمجت الفانتازيا في قوالب واقعية.

هل ضروري أن يطور الكاتب أدواته الفنية في عالم القصة؟

ـ مهمة كل كاتب أن يسعى إلى تطوير أدواته، والعمل بدأب على توسيع دائرة التجريب حتى لا يكرر ذاته، أو يتجه إلى النسج على منوال سابق، وأظنني اقتربت جدًا من مفهوم التجريب في مجموعتين، هما «الأبواب» 2013، و«اللمسات» 2015، وأتصور أن من مهام الكاتب الأولى إثارة الدهشة لدى المتلقي، ولن يحدث ذلك قبل اختيار مسارات للقص غير مطروقة، وأجدني في مجموعتي الصادرة هذا العام «ليمون مر» دمجت جائحة «كورونا» في النص القصصي المعاصر، وجعلت في المكتوب شقًا أسطوريًا.

كيف تكون طقوس سمير الفيل الكتابية؟

ـ لا توجد لي طقوس غير كوب شاي ساخن يتصاعد منه البخار، وهدوء نسبي في البيت، ووجود نسمة بحرية تحدث حين أفتح باب الشقة ليحدث تيارًا لطيفًا من نسيم قادم من الشرفة، لكن من المهم جدًا في ساعات النهار رؤية جزء من السماء، أما في جوف الليل فأكتفي بنجمة أو نجوم ترسل الوميض من بعيد جدًا.

هل ما زالت علاقاتك مع المثقفين في السعودية مستمرة؟

ـ كنت وما زلت على علاقات قوية بالكتاب السعوديين، كان منهم عواض العصيمي، وحسين علي حسين، ومحمد الجلواح، وأحسب أن لقاءاتي مستمرة بكتاب لهم باع طويل في السرد مثل: يوسف المحيميد وعبده خال، فهد العتيق، كما التقيت عبدالعزيز الصقعبي، وخالد اليوسف، ومحمود تراوري، وخديجة الصبان، كما أتابع ما يكتبه أصدقاء عرفتهم خلال فترة عملي بالدمام مثل: حبيب آل محمود، فؤاد نصرالله، غسان الخنيزي، عبدالعزيز السماعيل، وكم كنت سعيدًا كلما قابلت واحدًا منهم، فنستعيد زمن النهضة الثقافية.

تنتمي إلى مدينة دمياط المصرية الساحلية.. بالنسبة لك ما وجه الشبه بينها والدمام؟

ـ دمياط ينبوع الإلهام، والدمام محطة ظليلة رطبت الهجير فترة الاغتراب، الذي لم أشعر بقسوته لوجود أصدقاء محبين عرفتهم عن قرب، وأنا أسير الذكريات القديمة، وكلما نضب معيني فتحت «صندوق الذكريات» ثم أخذت منه طرفًا، وأغلقته بعناية بالغة.

جعلت من المقهى شكلًا من أشكال العطاء الثقافي.. هل كان الأمر قصدا؟

وجدت في المقهى مساحة ممنوحة للكتابة والحديث وتحرير الذات من مفاهيم مغلوطة، نقرأ قصصنا وأشعارنا ونعطي حكمًا أوليًا، لم يكن الأمر مقصودًا لكن من الواضح أن الوعي بالفكرة وأهميتها تعطي مشروعك مصداقيته.

ما الشيء الذي يميز الرواية عن القصة القصيرة؟

ـ القصة القصيرة حدث وحيد في حيز زمني محدود وعبر شخصيات قليلة، والرواية تيار هادر من الذكريات والتواريخ المتقاطعة وإلى حد ما «الثرثرة الاعتيادية»، وبحكم وعيي المعرفي أميل للقصة القصيرة، وإن كنت أحب الآباء المؤسسين للرواية.

ما هو مشروعك الأدبي القادم؟

ـ لي ثلاث مجموعات قصصية جديدة، تبحث عن أزمة الذات في مواجهة ضراوة العالم ووحشيته، حاولت معالجة تلك الفكرة من خلال النصوص، عناوينها «المعاطف الرمادية» و«ورق كوتشينة» و«دمى حزينة».

أكد الأديب المصري سمير الفيل، أن الفترة التي قضاها بالدمام والعمل في «اليوم»، كانت فترة ثرية ثقافيًا في حياته، إذ اقترب من الكثير من الوجوه الثقافية والصحفية والفنية والشعرية المتألقة في المملكة، وتعرف بقوة على حركة الفن التشكيلي الناهضة، وشارك في أنشطة جمعية الفنون بالدمام، مشيرًا إلى أن الفترة التي قضاها بالمملكة في بداية التسعينيات، كانت تموج بحركة ثقافية جيدة، وهو ما انعكس على الملاحق الثقافية في الصحف، خاصة في «اليوم»، وأكد أنه يتابع المشهد الثقافي الحالي من بعيد، خاصة صعود الرواية السعودية، لكنها تفتقد النقاد المتابعين، وهذا النقص تحاول الجامعة سده في الوقت الحالي.
المزيد من المقالات
x