هل ينجح بايدن في رأب الصدع وإحياء وحدة «الغرب» بمواجهة «الشرق»؟

دول الاتحاد الأوروبي وأمريكا تواجه تحديات متزايدة من الصين وروسيا

هل ينجح بايدن في رأب الصدع وإحياء وحدة «الغرب» بمواجهة «الشرق»؟

الاثنين ٠٥ / ٠٧ / ٢٠٢١
على مدار أربع سنوات قضاها دونالد ترامب في رئاسة الولايات المتحدة، أصاب الضرر علاقات أمريكا بأوروبا، اللتين تشكلان معًا ما يطلق عليه «الغرب». وقد سعى الرئيس جو بادين منذ تولى مقاليد الأمور في البيت الأبيض، إلى رأب الصدع مع حلفائه على الجانب الآخر من الأطلسي، وإحياء وحدة الغرب، وتعزيزها، في مواجهة تهديدات «الشرق»، الصين وروسيا.

وأثارت رحلة بايدن إلى أوروبا مؤخرًا، إحساسًا يعود لحقبة الحرب الباردة، حيث عقد لقاءات مع حلفاء ديمقراطيين قريبين، وشارك في قمة شابها التوتر مع خصوم مستبدين.


ويرى الدكتور هال براندز، أستاذ الشؤون العالمية بكلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جونز هوبكنز في تحليل نشرته وكالة بلومبرج للأنباء أنه من المناسب القول في ظل هذه الأجواء إن مفهوم «الغرب»، الذي يعود لحقبة الحرب الباردة يمر بنوع من التجديد.

وقال منظمو مؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام إن إدارة بايدن لديها «فرصة لتنشيط الغرب».

وأوضح براندز، الباحث أيضًا بمعهد أمريكان انتربرايز، أنه إذا كان مفهوم «الغرب» يعني إحياء التعاون الديمقراطي، وهو أمر هناك حاجة ماسة إليه، قد يكون التعريف ذا نطاق ضيق للغاية فيما يتعلق بالتحديات، التي تواجهها أمريكا وحلفاؤها.

مصطلح جغرافي

ويقول براندز إن مصطلح «الغرب» دائم التغير، ولم يكن أبدا مصطلحا جغرافيا في المقام الأول، حيث يستخدمه بعض المعلقين للإشارة إلى دول تحالفت مع أمريكا في الحرب الباردة، ورأى فيه آخرون مؤشرا للتنمية الصناعية، وما زال آخرون يركزون على دول تشدد على القيم الديمقراطية، أو دول تعد جزءا من قوس «الحضارة الغربية»، التي تعود إلى الإمبراطوريتين الإغريقية واليونانية.

وأوضح براندز أنه مهما كانت هذه التعريفات، فإن الدول التي استخدمتها، خاصة أمريكا، وأوروبا الغربية، وتلك التي تتحدث الإنجليزية، والتي تعود لزمن الإمبراطورية البريطانية السابقة، قد شكلت جوهر الغرب، الذي لا خلاف عليه، وأقامت اتحادا قويا من الديمقراطيات الغنية.

وكان أحد أهداف هذه المجموعة الانتصار في الحرب الباردة، وهو ما حققه الغرب، ولكن ليضع نفسه في موضع لا يتناسب مع العصر، حيث يؤكد براندز أن فكرة «الغرب» بدت فجأة وقد عفى عليها الزمن، بالنظر إلى سقوط الخصم، الكتلة الشرقية. وتحدث مسؤولون أمريكيون على نحو متنامٍ عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، كقيم عالمية، أكثر منها قيمًا أوروبية.

وقد استوعب الغرب ضربات عديدة أثناء ولاية ترامب، الذي استدعى دائمًا الحضارة الغربية لوصف العلاقات بين بلاده وأوروبا. ولكن بالنسبة للبعض، كان هذا حديثًا أجوف، لأن ترامب ببساطة لم يكن يحب حلفاء أمريكا الديمقراطيين.

وبالنسبة لآخرين، كان ذلك أمرًا مشؤومًا تمامًا، حيث بدا أن خطاب ترامب وأفعاله، تم تصميمها لوضع الغرب المسيحي الأبيض في مواجهة باقي العالم من غير البيض. وبحلول عام 2020، تحدثت النخبة في مؤتمر ميونيخ عن شعور واسع بـ «انعدام الغرب»- تعبيرًا عن مخاوف من أن وجود «الغرب» نفسه كان موضع شك.

الانقسام مجددًا

ويتساءل براندز قائلًا: «لماذا يعود الغرب بعد عام فقط من ذلك؟». ولتفسير ذلك يوضح أن مفهوم «الغرب» برز بقوة في ظل حقيقة أن العالم يتجه إلى الانقسام مجددًا- حيث تواجه الديمقراطيات المتقدمة تهديدًا متزايدًا من الأنظمة الاستبدادية، غير الغربية، مثل الصين وروسيا. وجاء بايدن لينعش الآمال في إعادة توحيد العالم الغربي.

وحتى الآن، تركز سياسة بايدن على تعزيز علاقات أمريكا مع حلفائها الغربيين في أوروبا، وأيضًا في المنطقة الهندية الباسيفكية. وقال بايدن إن الفرق بين الديمقراطية والاستبداد هو الصدع الأساسي في شؤون العالم. وأصدر بايدن ورئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون «معاهدة الأطلسي الجديدة»- التي تُعد تحديثًا لإعلان صدر في عام 1941، وأرسى المبادئ الأساسية لعالم الغرب.

كما سعت الإدارة الأمريكية إلى تحويل المؤسسات التقليدية في الغرب، خاصة حلف شمال الأطلسي (ناتو)، ومجموعة الدول السبع الصناعية الكبرى، إلى وسائل للتعاون الديمقراطي ضد الصين، وتهديدات أخرى. وقال بايدن إنه إذا «عادت أمريكا»، فسيعود الغرب.

ويقول براندز إن هذا لن يكون بالأمر السيئ، فرغم أن مفهوم «الغرب» يبدو غير محدد المعالم، فهو يشمل أفكارًا جوهرية، حيث إن الديمقراطيات الأكثر تقدمًا في العالم مرتبطة بعلاقات أقوى من مجرد تلاقي المصالح. ونقل الكاتب عن وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر، قوله إن الغرب ليس «تحالفات مصالح»، ولكن «اتحاد مبادئ».

مقاومة التحدي

والعالم، بحسب براندز، بحاجة ماسة إلى الشعور بالهدف المشترك بين الدول الأكثر قدرة على مقاومة التحدي، الذي يفرضه الاستبداد، ومواجهة أي قضايا أخرى تتطلب عملًا جماعيًا، مثل الأوبئة وتداعيات التغيرات التكنولوجية الثورية.

ولكن مفهوم «الغرب» مرتبط بأمور أخرى، فالمصطلح بالنسبة للمناطق النامية، يحمل إيحاءات استعمارية مرفوضة، وقد يشكل هذا مصدرًا للمشكلات في إطار التنافس بين أمريكا والصين. إن المنافسة الفعالة مع بكين تتطلب من الديمقراطيات الغربية استدعاء طاقاتها الجماعية، والعمل مع نظم استبدادية ذات مواقع إستراتيجية، مثل فيتنام، ودول نأت بنفسها طويلا عن كل من الشرق والغرب، مثل الهند، وأخرى نامية في آسيا وأفريقيا. كما سيتعين على أمريكا حشد تحالفات متداخلة، تكون المجموعة الديمقراطية إحداها، ولكنها الأكثر أهمية. وفي ختام التحليل، يخلص براندز إلى أن مَنْ يروجون إلى تجديد «الغرب» على صواب فيما يتعلق بجانب مهم، وهو أن الديمقراطيات الرئيسية في العالم بحاجة إلى استعادة بريقها وثقتها. ولكن إقامة تعاون بينها يحتاج إلى الوضع في الحسبان وجود تهديد جديد قادم من الشرق، يتطلب منها أكثر من مجرد إعادة توحيد عُصبة الغرب مجددًا.
المزيد من المقالات
x