ابن تيمية وقيم المواطنة الصالحة

ابن تيمية وقيم المواطنة الصالحة

السبت ١٩ / ٠٦ / ٢٠٢١
ولد شيخ الإسلام أحمد تقي الدين المعروف بابن تيمية في القرن السابع الهجري لأسرة عربية علمية رفيعة المستوى، واشتهر بشدة الحفظ وعمق الفهم وحضور البديهة في زمن كانت فيه البلاد الإسلامية ممزقة ومثخنة بجراح العدوان الصليبي والمغولي كما فشت فيها الخرافات والبدع التي تنسب زورا وبهتانا إلى الدين الإسلامي.

ففي تلك الحقبة هجم المغول على مدينة حران في الجزيرة أقصى بلاد الشام لذبح المسلمين فانتقلت أسرة الشيخ ذي السنوات السبع إلى دمشق طلبا للنجاة، وفيها وجد الطفل النابغة ضالته العلمية بعد ما شاهده من ظلم وافتئات طال العرب جراء تغول الأمم الأخرى على الأمة العربية.


وفي تلك الحاضرة العربية أخذ الغلام الحراني يرتقي درجات العلم ليصبح أحد المجتهدين في مذهب الإمام أحمد بن حنبل، ورمزا للدفاع عن السنة النبوية، وفارسا وجنديا لصد عدوان واحتلال المغول والصليبيين، ومن أشرس المحاربين للخرافات التي مزجت بأحكام الدين الإسلامي، ومجددا فريدا من خلال الرجوع لأصالة وأصول الإسلام النقية السمحة.

فلم يكن ابن تيمية مجرد عالم حفظ العلوم الشرعية بل أجاد فهمها فهما عميقا، وتعلم علوم الحساب والفلك، ودرس السيرة وتاريخ الأمم، وتبحر في علم الفلسفة والمنطق حتى نقض آراء فلاسفة اليونان ورد عليهم، كما برع في العربية والنحو واستفاد من كتاب سيبوبه ونقد بعض قواعده، وكان مدرسة جديدة بكل ما تعني الكلمة، ورفض الخضوع لاحتلال الصليبيين والمغول وحمل السلاح ضدهما تحت راية الدولة العربية الإسلامية، وفي اطلاعه على علوم الأمم الأخرى واستفادته منها رفض الذوبان فيها بما يخل بالعقيدة الإسلامية الصحيحة والأخلاق العربية النبيلة، فاصطدم مع الطرق الخرافية والطرق التي لا تحترم رموز الإسلام، وناهض الشعوبية واعتبرها حركة عنصرية تهدد الأمن القومي للدولة العربية.

كما عرف عن ابن تيمية زهده في أموال السلطة وترفعه عن المناصب وإخلاصه لدينه وولي أمره، فقد تعرض للوشاية والتشويه أمام السلطة وزج به في السجن مرارا وتكرارا، ومع ذلك لم يحرض على السلطة أو يطالب بالخروج عليها، فكان كلما أطلق سراحه عاد إلى إلقاء الدروس والمحاضرات العلمية وتوعية الناس وحشد المجتمع ورفع المعنويات والتطوع لصد الاحتلال والعدوان الصليبي والمغولي ولم يحاول قط التمرد على السلطة الوطنية أو تشويهها ولسان حاله يقول: «بلادي وإن جارت علي عزيزة».

وعندما عاد الناصر محمد بن قلاوون صديق ابن تيمية إلى كرسي الحكم ومال على خصوم ابن تيمية ليقضي عليهم انتقاما للشيخ، انبرى الشيخ للناصر ونافح عنهم وحاجج دونهم والتمس لهم الأعذار.

لقد كان ابن تيمية رجل دولة بكل ما تعنيه الكلمة، فعندما غزت جيوش المغول دمشق أخرج من السجن ليهب من فوره في توحيد الصف الوطني العربي، وطلب المدد وحرض الناس للدفاع عن دمشق، ممتشقا سيفه تحت راية الحاكم المسلم الذي كان في سجنه وقال: «السنة أن يقف الرجل تحت راية قومه»، وقاتل قتال الأبطال حتى انتصر الجيش العربي المسلم، فقام مباشرة بمطاردة المتلونين الموالين للمغول والصليبيين، والذين استخدموا ذلك الولاء كعين على الدولة العربية المسلمة وأنزل بهم الهزيمة وفرق جمعهم حماية للوطن من الخيانات العظمى، وعندما فاوض المغول لفك أسرى المسلمين اشترط أن يشمل ذلك أسرى اليهود والنصارى العرب قائلا: «لهم ما لنا وعليهم ما علينا».

كان شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- نموذجا حقيقيا وحيا لقيم المواطنة الصالحة، مؤمنا بأن الدولة هي المظلة الجامعة التي يتحقق بها صالح الإسلام والمسلمين والعرب، وأن ضياعها ذل وإراقة للدماء وهدر للكرامة.

@falkhereiji
المزيد من المقالات
x