قِصة وعِبرة

قِصة وعِبرة

الاحد ١٣ / ٠٦ / ٢٠٢١
في بُقعة ما في هذا العالم، كانت هناك قبيلة همجية ومتوحشة مُنعزلة عن المُحيط تعتقد بمعتقدات وطقوس غريبة. وكانت إهانة المرأة وإظهار ضِعفها جزءا من الموروث الثقافي المُقَدَّس في عاداتهم. تحقير دور المرأة واستخدامها كوسيلة للإنجاب فقط بعيدا عن تكريمها واحترامها، يعتبر ممارسة طبيعية يمارسها رجال القبيلة ضد نسائهم. وبناء على مُعتقداتهم البشرية وإيمانهم بضرورة التمييز الجنسي المُتعصب، اعتاد ذكور القبيلة تحقير الأنثى لأن في احتقارها تكريم للذكور.

وبالقرب من تلك البُقعة، كانت هناك مجموعة تائهة من النساء والأطفال والرجال الذين ضلوا طريق العودة. قرر قائد المجموعة بأن يُترَك الأطفال والنساء في مكان تتوفر فيه سُبل المعيشة المؤقتة وتزويدهم بالأدوات الدفاعية لحماية أنفسهن. لينطلق الرجال من طرق متفرقة بحثا عن طريق يأخذهم إلى المدينة.


وفِي ذلك اليوم، خرج الهمجيون في رحلة صيد محتفلين بانطلاقهم وهم يمارسون طقوسهم المُرعبة، لغرض التشجيع.

وفِي طريقهم للصيد تواجهوا مع النساء والأطفال، وفزعت النساء واتخذت كل منهن موقف القوة وتسلحت بما عندها من أدوات. دفعتهن غريزة الأمومة بأن يتحول الخوف إلى شجاعة والحنان إلى خشونة ليواجهن شبح الهمجية. ولأول مرة يرى رجال القبيلة قوة المرأة ومنظرها الدفاعي المُهيب الذي تمثَّل لهم وكأنها لبؤة تُكشِّر عن أنيابها لعدو يترصد لأشبالها.

وفِي جهة أخرى من الْعَالَم، كانت الأُم سعيدة بابنها الصغير وأفرطت في دلالة حتى تجاهلت وجود ابنتها الكُبرى وألزمتها بالسمع والطاعة دون مراعاة لاحتياجاتها أو تقدير لاهتماماتها. فالتمييز الجنسي والتعصب والتفضيل في المُعاملة لصالح الابن زادت من التراكمات النفسية لدى الفتاة، مما جعلها أكثر بغضا لسلوك عائلتها. ومرَّت السنوات، وتزوجت الفتاة وأنجبت طفلتها الأولى لتُغدق عليها في العطاء والدلال وكأنها تُعوض ما كان ينقصها في طفولتها. ثم أنجبت طفلها الثاني ولَم تُدرك أنها كانت تتقمَّص شخصية أمها في الماضي بطريقةٍ ما دون وعي.

مبدؤها التربوي في تطبيق مفهوم المساواة كان لا يُراعي الاختلاف في مسألة التساوي سواء في القدرات أو الإمكانيات والصفات وغيرها. فالاختلال في توازن العطاء التربوي وتوزيع الواجبات بين الأطفال وكيفية تطبيق الأوامر قد طمس هوية الطفل وأضعف شخصيته بين أقرانه. لم تكن الأُم قادرة على التمييز والتقدير في مسألة الأخذ والعطاء التربوي لأنها وكأنها كانت تنتقم لطفولتها دون وعي. نشأ الطفل ليجد نفسه في دائرة أُخته غير قادر على الخروج منها خوفا من المجهول الذي لا يجرؤ على مواجهته.

في النهاية وبالنسبة إلى رجال القبيلة الهمجيين، فإن الاعتقاد البشري المُتعنصر ضد النساء جعلهم يغرقون في الجهل حتى قدَّسوه ورفضوا كُل ما يُخالفه أو يختلف معه. وعند مواجهتهم للنساء، لم يستطيعوا أن يتعاملوا مع الموقف لأن الخوف من قوة المرأة وتسلحها للدفاع قد شلَّ عقولهم وأظهر عجزهم ليفروا من المواجهة. وبالنسبة إلى الأم وأسرتها، فإن الوعي الفكري التربوي مهم جدا، خاصة ونحن في زمن تظهر لنا الفتن مغلفة بمفاهيم إنسانية مغلوطة. وما حدث للفتاة كان بسبب التراكمات العاطفية السلبية التي لم تستطع التخلص منها فظلمت نفسها وأطفالها. وذهب طِفلها ضحية لتراكمات والدته التي لم تستطع أن تتخلص منها بأي شكل من الأشكال.

@FofKEDL
المزيد من المقالات
x