خطيب الحرم المكي: التجارب النووية وسباق التسلح من أعظم ضروب الإفساد

خطيب الحرم المكي: التجارب النووية وسباق التسلح من أعظم ضروب الإفساد

الجمعة ١١ / ٠٦ / ٢٠٢١
قال إمام وخطيب المسجد الحرام الشيخ د. عبدالرحمن السديس إن شريعتنا الغراء دأبت على تزكية النفوس والسمو بها إلى أعلى الذرا والمراتب بأسنى الشيم والمناقب، صونا للمجتمعات من معرات الانحدار، وعواقب البوار، ومن أعظم السوامق التي أولتها شريعتنا بالغ الاهتمام، لتحقق السؤدد والازدهار، والآمال الكبار، أنها جاءت بالتعمير والإسعاد، حاثة على مهايع النهضة والريادة، حاضة على كل رقي وإفادة، في تناسق بديع بين استشرافات العقل، وأشواق الروح.

إعمار الأرض


وأضاف في خطبة الجمعة أمس بالمسجد الحرام: لقد سبقت شريعتنا الغراء الأمم السوالف، والمجتمعات الخوالف، في إعمار الأرض وحماية كوكبها، والحفاظ على البيئة ورعايتها، وصون مكونات الحياة ومسخرات الكون وصيانتها، فشريعتنا إعمار لا دمار، بناء ونماء، لا هدم وفناء، إشادة لا إبادة.

وأردف يقول: أيها المؤمنون.. إن من أعظم ضروب الإفساد، الذي تنامى وزاد، ولم يغفل عن رتقه الألباء من العباد، ما لوث صفاء البيئة، وجمال الطبيعة المتدفق بالبهجة والرواء، وذلك بنشر المواد الكيماوية المدمرة، والتجارب النووية الفتاكة، والنفايات الغازية السامة، وما يعمد إليه العالم من سباق التسلح وأسلحة الدمار الشامل، التي تنجم عنها الإبادة والأمراض والأوبئة الجوائح، وتخرج البيئة عن سننها الخلاب إلى التلوث والتصحر واليباب، ولعمر الحق إن النفس التي حرمت تذوق الجمال ورشف شهده العذب بزينة الأرض وحسنها وسلامها وأمنها، وقصدت إلى إفساد الطبيعة وتلويث البيئة، لهي نفس باغية ومهجة طاغية، فالحفاظ على نظافة الطريق والبيئة المستدامة إحدى شعب الإيمان، ودلائل البر والإحسان، فكيف بحماية الأرض من التلوث البيئي، والحد من التغير المناخي، والاحتباس الحراري؛ اللذين ينتقصان الأمن والنظام، ويعبثان بحضارة المجد والعمران، ويستنزفان موارد الأمة، ولا يستهن بهما إلا أدنياء الهمم، الذين لفتهم الأثرة الصلفة، والانتهازية الرعناء، فآثروا مصالحهم ومكتسباتهم الشخصية على أوطانهم ومجتمعاتهم استخفافا واسترخاصا، وخفرا للعهد وانتقاصا، عياذا بالله عياذا.

دعوات التعايش

وذكر إمام وخطيب المسجد الحرام أنه على النقيض من إعمار الأرض وصيانتها وحمايتها، ذلك الطغيان الهادر من التدمير والتتبير اللذين حرمهما الإسلام أشد تحريم، وتوعد آتيهما بالعذاب الأليم، وإمطار الأرض بالهجمات الإرهابية والصواريخ المدمرة والطائرات المسيرة واستهداف الأعيان المدنية، وشن المعارك والحروب، وإضرام النيران والخطوب، وتقتيل الأبرياء والعزل واحتلال الشعوب؛ بغية وطمس حضارتها وثلم نخوتها، واستنزاف خيراتها وثرواتها، في عصر تتعالى فيه نداءات الإصلاح والسلام، ودعوات التعايش والوئام، ومحاربة الإرعاب والإرهاب، نعم تلك هي الهالات البراقة، والشعارات الرقراقة التي تفضحها وقائع العنجهية كل آن، وما وقائعها المخزية إلا نار الحقد الدفين، من محاور الشر الكمين لاسيما في أرض فلسطين والأقصى، وإنه لواجب على كل مسلم -قدر استطاعته ولو بالدعاء- حماية المقدسات وأكنافها من الفساد والعدوان، فهي قضايانا الإسلامية الكبرى، التي يجب ألا تنسى في جديد الصراعات والقضايا؛ وقضية أولى القبلتين، وثالث المسجدين الشريفين، قضية الأقصى التي يجب أن تظل في قلب كل مسلم، ولا يقبل التنازل والتغاضي عنها على الدوام.

مكتسبات الحياة

وأضاف إن النسيج الاجتماعي المتراص الفريد يحتاج إلى وقفة إصلاحية، متونها: صقل القيم والأذواق وسحجها، والسمو بها في معارج الوعي الراشد، والاستبصار المسدد، لتنعم حواسنا بذوق رفيع، وبيئة نقية نظيفة، صحية جاذبة؛ تبتهج النفوس بأزهارها، والأبصار باخضرارها، والاستظلال بوارف ظلالها، واستنشاق الهواء النقي بها، ففي عصر تضاعفت فيه الكوارث واستشرت، وتنوعت وسائل التلوث وانتشرت؛ من العوادم والنفايات ومكافحة التصحر والاحتطاب الجائر، والحفاظ على مكتسبات الحياة الفطرية والغطاء النباتي، ودعم الإصحاح البيئي، ونشر الوعي بثقافة حماية البيئة وتعزيز استدامتها، لذا وجب الاهتمام لها بخطط مدروسة ممنهجة، وجهود مشتركة منظمة؛ لدراسة الواقع واستشراف المستقبل النظيف الآمن، بين الأفراد والمؤسسات، والإدارات والجمعيات.

إعمار بيئي

وأكد الشيخ السديس أن من فضل الله تعالى على بلادنا -بلاد الحرمين الشريفين حفظها الله وحماها، وحرسها ورعاها- ما وهبنا من درر القرارات، وجمانات ونيرات التوجيهات التي عطرت الأرجاء بشذاها الفياح، وأبهجت من الغير الأرواح، فهي صاحبة أكبر مشروع إعمار بيئي في التاريخ بدأ في نهاية القرن الماضي، وتبوأت الريادة العالمية في مؤشرات الأداء البيئي وتعزيز الأمن البيئي، والطموح نحو الأمة الخضراء والإنسانية الخضراء وما ذلك على الله بعزيز، كما أنها صاحبة أكبر مشروع تشجير في العالم في الوقت الحالي، سيكون منها عشرة مليارات شجرة في بلادنا وحدها، وتتعاون مع دول إسلامية أخرى لزراعة أربعين مليار شجرة أخرى لخفض انبعاثات الغازات السامة ومكافحة التلوث وتدهور الأرض والبيئة.

إحلال الأمن

وأوضح د. السديس أن من أعظم الأصول، التي حث عليها الدين الإسلامي الحنيف الحرص على الاجتماع والائتلاف والتحذير من الفرقة والخلاف والدعوة إلى إحلال الأمن والاستقرار والسلام والسماحة والمصالحة وتحقيق كرامة الإنسان والنأي به عن الصراعات والنزاعات ونبذ الخلافات والانقسامات، كما أن من فضل الله على بلادنا المباركة اضطلاعها وعنايتها بجمع كلمة المسلمين وتوحيد صفوفهم، وهنا يشاد بكل فخر واعتزاز بجهود المملكة في هذا المجال، ومن أعظم الشواهد على ذلك رعايتها الجليلة للمؤتمر الإسلامي التاريخي لإحلال السلام والأمن والاستقرار في أفغانستان في رحاب مكة المكرمة، ومن جوار المسجد الحرام بحضور كوكبة من علماء الدين من باكستان وأفغانستان لما للعلماء من دور كبير في حل النزاعات وإحلال السلام في الأوطان والمجتمعات، وما صدر عنه من إعلان البيان الختامي المتضمن للتوصيات النافعة والآثار البالغة في إحلال الأمن والاستقرار والسلام في أفغانستان والمنطقة فجزى الله ولاة أمرنا، وعلى رأسهم خادم الحرمين الشريفين، وولي عهده الأمين خير الجزاء على هذه الجهود العظيمة المباركة، وجزى الله العلماء المشاركين في إثراء المؤتمر وتحقيق مخرجاته فيما يحقق الآمال المرجوة.
المزيد من المقالات
x