«سير الأدباء والمفكرين».. برامج ينقصها الاستعانة بالمتخصصين

عدم الالتزام بشروط النجاح يجعل سلبياتها عديدة

«سير الأدباء والمفكرين».. برامج ينقصها الاستعانة بالمتخصصين

الاثنين ٢٤ / ٠٥ / ٢٠٢١
أكد مثقفون أن «السيرة الذاتية» لون أدبي مهم، إذ تقدم للشباب النماذج الكبرى التي يمكن أن يقتدوا بها، وتكشف للمتلقي أن الحياة لم تكن سهلة عليهم كما يتصور البعض، بل واجهوا ظروفًا صعبة، واجتازوا كل الصعاب بفضل قوة إرادتهم ونضالهم من أجل الدفاع عن قضيتهم، وحينما انتقل عرض السير للبرامج التليفزيونية، أقبل عليها المشاهدون بشغف بعد أن وجدوا فيها شيئًا مميزًا مشوّقًا، لكن هذا التميز يبقى رهينًا بشروط مهمة، أولها استعانة معدّ البرنامج والمشاركين فيه بمادة علمية وتاريخية سليمة وتدعيمها بالوثائقيات، وأن يبتعدوا عن التصورات ومقولات شاذة مستبعدة، وأن يكونوا موضوعيين، وذلك باستبعاد الآراء الشخصية في صاحب السيرة، وعدم الالتزام بهذه الشروط يجعل تأثير برامج السِّيَر سلبيًا أكثر منه إيجابيا.

برامج نافعة


يقول أستاذ الأدب والنقد الحديث - جامعة حائل د. جزاع بن فرحان الشمري: تعددت البرامج التي تناولت حياة الشخصيات من مفكرين وأدباء ورؤساء، هذه البرامج تقوم بدور مهم في تسليط الضوء على حياة الشخصية من جهة، ومشاركته للمجتمع من جهة أخرى، ما جعل تلك البرامج تزداد يومًا بعد آخر ومن قناة تليفزيونية إلى أخرى، فهي برامج نافعة ومفيدة في تسجيل حيوات تلك الشخصيات واستعادة ذكرياتهم بأحداثها المتنوعة، إلا أن تلك البرامج تقوم على البديهيات والتكرار في كثير منها، فلا الإعداد ولا الإخراج ولا المحاور يمتلك التخصص في إعداد تلك المحاورات، وتسليط الجوانب التي يلتزم بها الشخصية أثناء الحديث عن تلك الوقائع والذكريات في حياته، بدءًا من الطفولة مرورًا بمرحلة الشباب والوظيفة، مختتمًا بمرحلة الشيخوخة والكبر، وكان من الأوْلى استقطاب المتخصصين في جوانب الذات والسير والمذكرات لإعداد تلك المحاور التي يجب أن يكشفها الشخصية في مراحل حياته، وعرضت بعض البرامج تلك الشخصيات مع إخفاء بعض الجوانب الرئيسة، وإسقاط بعض الأحداث والوقائع التي تمنح البرنامج الكثير من الشعبية والمتابعة، فهي إلى جانب أنها شخصيات عظيمة، فإنها تبقى حياة بشرية متعرضة للخير والشر والسوء والحسن.

استقطاب المتخصصين وأضاف الشمري، المتخصص في كتابة الذات والسير الذاتية والشخصيات: من وجهة نظري تحتاج تلك البرامج إلى أساتذة متخصصين في كتابة السيرة الذاتية، وإعداد محاور اللقاءات التي تقوم على عرض شخصيات لها ثقلها في المجتمع والوطن، فهي بحاجة إلى تركيز تلك الجوانب التي يتحدث عنها المضيف في شأن من شؤون الحياة والمجتمع، دون الحديث عن وقائع وأحداث لا تقدم فائدة كبيرة تذكر، إذ نفترض في تلك اللقاءات المهنية والصدق في الحديث عن الجوانب الشخصية للضيف دون محاباة، وأهم ما يؤخذ عليها أنها برامج متكررة وتسلط على جوانب وزاوية خاصة يتطلع لها معدو البرامج والقنوات التليفزيونية دون مراعاة للجوانب المثيرة التي تجذب المتابع والقارئ، والانتقائية في اختيار الضيوف وكذلك الانتقائية في اختيار مَنْ يتحدث عنهم، كما أن الإعداد لتلك البرامج لا يرقى إلى ذائقة المتابع، وإنما هو تكرار لجميع الشخصيات، مع عدم وجود متخصصين في جوانب الذات والحياة والمذكرات.

تاريخ مدونأما الشاعر والناقد والأكاديمي د. منير فوزي، فيقول: تعرّف السيرة بأنها «تاريخ مدوّن لحياة شخص مشهور»، كما أنها تُعدّ فنًا أدبيًا يُعرَض فيه لحياة كاتب أو مبدع أو أحد المشاهير، ولأنه من المهم تبيّن أو الاطلاع على الأسباب التي دعت إلى شهرة هذا الكاتب أو المفكر، لكي يمكن احتذاؤها، وبالتالي يمكن تكرار نموذج هذا الكاتب أو الأديب، ما يعود بالنفع على المجتمع وعلى الإنسانية كلها، وهما مطلبان مهمان، ولذلك تحاول بعض البرامج التليفزيونية أن تتخذ من فكرة إعادة استعراض أجزاء من حياة بعض الأدباء أو المفكرين الذين تركوا بصمة في مجالات الحياة الإنسانية المختلفة، ما يشكل جانبًا معرفيًا مشوقًا للمشاهد، وأن يتم الإحاطة بجوانب النبوغ والتميز عندهم، وبالأخص عند مواجهة الظروف والعوائق المجتمعية والشدائد، التي تمثل تحديًا يتم الانتصار عليه بالإرادة والعزيمة والتشبث بالثوابت، وكلها مما يقوّي عزائم الشباب، ويشحذ الهمم وينمي الآمال.

معاناة العظماءوتابع: السِّيَر تؤكد أن هذا الأديب أو ذلك المفكر لم تكن ظروفه لتختلف عما نحن عليه الآن؛ بل كانت أصعب وأشدّ، ومع ذلك استطاع أن يجتاز كل الصعاب، حين تشبث بإرادته، وناضل من أجل الدفاع عن قضيته، وما اقتنع به، وما ارتآه خيرًا لوطنه، وهو ما يجعل من مثل هذه البرامج التي تستدعي معاناة الأدباء والمفكرين، شيئًا مميزًا مشوّقًا، خصوصًا إذا كان بها جديد لم يعرفه جلّ الناس من قبل، غير أن هذا الأمر يبقى رهينًا بقدرة معدّ البرنامج والمشاركين فيه، فلا بد أن يكونوا محصّنين بمادة علمية وتاريخية سليمة، وحسنًا لو كانت مختلطة بالوثائقيات، كما أن عليهم ألا يعتمدوا على تصورات أو مقولات شاذة مستبعدة، ويصعب الأمر إذا لم يكن المحاضر موضوعيًا، وكان له رأي شخصي في صاحب الترجمة، بما يمسّ عقيدته أو مذهبه أو طريقته، وهي أشياء تجعل برامج الترجمة في مثل هذه الحالة ضارة غير نافعة، فيصبح تأثيرها السلبي أكثر من إيجابياتها.

اختيار القالبوتقول الشاعرة والباحثة في مجال السيرة الذاتية د. أسماء الجنوبي: حين يعرض المرء نفسه في وسائل الإعلام، فهو يختار القالب الذي ارتضاه لنفسه، أو النوع الذي شاء أن يكون ريشته في رسم ملامح شخصيته وعرضها أمام الناس، وهو قطعًا يعرف إيجابيات ذلك النوع وسلبياته، ولظهور سرد السير الذاتية في وسائل الإعلام «الأدب الوسائطي» سمات لا تخفى عن كثير من الناس، شأن سائر الأنواع التي يمكن أن تحمل عبء حديث المرء عن ذاته «السيرة الذاتية»، ويمكن للشخصيات من خلال الأدب الوسائطي أن تختار من سيرتها ما تشاء ليكون مادة الحديث أو الحوار، ويمكنها كذلك أن تضرب صفحًا عما لا تشاء عرضه، وهذا الأمر حق لصاحب السيرة الذاتية تتكفل به فنون كتابة الذات على اختلاف أنواعها.

عوامل خارجيةوأضافت: وتتدخل في أنواع قوالب كتابة الذات المرئية والمسموعة والمكتوبة عوامل خارجية تسهم في إخراج صورة الشخصية بالهيئة التي نراها أو نقرؤها أو نسمعها، فقد يتدخل الناشر في الكتابة بالحذف والإضافة والتأطير والتصدير والتغليف، وكذلك يتدخل المذيع أو المخرج في إبراز جوانب الشخصية التي يجدها أكثر جذبًا للمتلقي، ويبقى الأمر كله في يد صاحب السيرة الذاتية الذي لا يمكن أن يُجبَر على أن تخرج صورته بهيئة لا ترضيه، ومع ذلك كله يبقى للكتابة سحرها الخاص وسماتها التي لا تموت؛ فقد وقفت على سير كثيرة سلكت السبيلين «المكتوب والشفهي»، فكانت أكثر ألقًا بين حنان الأوراق لمَنْ يتمكن من أدوات الكتابة، وبالمقابل فإنها قد تجد شهرة أكبر عندما تعرض في وسائل الإعلام، وفي النهاية فإني أجد أن السرد السير ذاتي بحاجة إلى هذا الإطار وذاك، فالأول يحمل ما ترغب النفس في كتابته والإفصاح عنه، والثاني يحمل ما ترغب الناس في معرفته عن طريق السؤال والحوار.
المزيد من المقالات
x