الوجود الروسي في الشرق الأوسط يمثل تحديا إستراتيجيا للولايات المتحدة

تراجع دور أمريكا فتح الباب أمام صعود أدوار لقوى دولية وإقليمية

الوجود الروسي في الشرق الأوسط يمثل تحديا إستراتيجيا للولايات المتحدة

الاثنين ١٧ / ٠٥ / ٢٠٢١
حذر مركز أبحاث أمريكي من تصاعد خطر الدور الروسي المتزايد في منطقة الشرق الأوسط على مصالح الأمن القومي لكل من الولايات المتحدة وإسرائيل وبخاصة في ملفات حساسة مثل الملف السوري والملف الإيراني والسيطرة السيبرانية والتكنولوجية.

وبحسب حلقة نقاشية نظمها برنامج الشرق الأوسط ومعهد كينان التابعان لمركز الأبحاث الأمريكي «ويلسون» ، فإن الولايات المتحدة لم تعد القوة المسيطرة على مجريات الأحداث في الشرق الأوسط. في الوقت نفسه فإن تراجع الدور الأمريكي فتح الباب أمام صعود أدوار قوى دولية وإقليمية مثل روسيا وإيران وتركيا، ثم الصين التي تعتمد بشكل أساسي على التمدد الاقتصادي.


وإذا كانت الولايات المتحدة تسعى إلى الحفاظ على مصالحها الأساسية مثل الاستقرار الإقليمي وتأمين إمدادات الطاقة ومكافحة الإرهاب ومنع انتشار الأسلحة النووية، فإن وجود الصين وروسيا والولايات المتحدة يفرض على المنطقة قدرات وأهدافًا متباينة من منظور سياسات تلك الدول في منطقة الشرق الأوسط التي تمر بفترة تحول عميق.

محاور رئيسية

وبحسب التقرير الذي نشره مركز ويلسون على موقعه الإلكتروني عن خلاصة الحلقة النقاشية التي شارك فيها 12 محللا ودبلوماسيا من الولايات المتحدة وإسرائيل وروسيا بينهم الميجور جنرال عاموس جلعاد وماثيو روجانسكي مدير معهد كينان وجيمس جيفري السفير الأمريكي لدى العراق وتركيا سابقا، فإن روسيا أصبحت مجددا لاعبا عسكريا ودبلوماسيا في الشرق الأوسط. وحتى قبل 2015 عندما تدخلت روسيا رسميا وعمليا في الحرب الأهلية الدائرة في سورية، سعت إلى توسيع نفوذها العسكري والاقتصادي في الشرق الأوسط.

والآن أصبحت روسيا عاملا أساسيا في سورية وليبيا وشريكا لإيران، وشريكا لطموحات مصر العسكرية، ومحاورا لدول الخليج، ومحاورا لإسرائيل والحكومة الأفغانية وحركة طالبان والفلسطينيين وغير ذلك من الكيانات السياسية. كما أصبحت روسيا عنصرا في الأزمة اليمنية ووسعت مصالحها في شمال أفريقيا.

ومع ذلك، ما زالت روسيا أبعد من أن تكون قد شكلت نظاما إقليميا من تصميمها في المنطقة.

كما يمكن القول إن روسيا لم تصبح حتى الآن تحديا أساسيا للتعاون الأمريكي الإسرائيلي في المنطقة رغم أن اتساع نطاق الأنشطة الروسية في المنطقة يؤثر بالتأكيد على مصالح إسرائيل والولايات المتحدة. فالوجود الروسي في المنطقة ومعه الوجود الصيني في الخلفية يزيد تعقيد الموقف في الشرق الأوسط.

تحد إستراتيجيومع تغيير الإدارة في واشنطن بانتهاء حكم الرئيس السابق دونالد ترامب وتولي جو بايدن الرئاسة، وتصاعد التوترات الأمريكية الروسية على الصعيد العالمي، يمكن أن يتحول الدور الروسي في الشرق الأوسط إلى تحد إستراتيجي وهاجس ملحّ لكل من الولايات المتحدة وإسرائيل في مجالات حساسة مثل سورية وإيران، وفي مجالي الأمن السيبراني والتكنولوجيا.

وفي مواجهة هذا التحدي، أكد المشاركون في الحلقة النقاشية أهمية العلاقات الثنائية بين إسرائيل والولايات المتحدة، والحفاظ على التعاون الوثيق المعتاد بين البلدين، والعمل على تجاوز أي خلافات بينهما بشأن أدوار روسيا وتركيا والصين في الشرق الأوسط. كما دعا المشاركون كلا من واشنطن وتل أبيب إلى ضرورة التشاور والتعاون متعدد الأطراف مع دول مجلس التعاون الخليجي في هذه الملفات.

في الوقت نفسه، أشارت خلاصة المناقشات إلى أن الوجود الروسي وفق المستويات الراهنة في المنطقة بالنسبة للولايات المتحدة أمر يمكن القبول به. كما أنه لا يتعارض بالضرورة مع المصالح الأمريكية الأساسية فيها، لكنه يعقد محاولات تحقيق هذه المصالح ويضر بها، وفق الدرجة التي تتحرك بها السياسة الروسية مدفوعة بهدف الحد من النفوذ الأمريكي والإضرار بمكانة الولايات المتحدة.

أما بالنسبة لإسرائيل، فإن الوجود الروسي يمثل تحديا للأمن القومي. وتمثل روسيا مجموعة من المخاوف العملياتية والإستراتيجية، بسبب احتمال أن يحد هذا الوجود من حرية إسرائيل في شن العمليات العسكرية بالأراضي السورية، وكذلك بسبب العلاقات الإستراتيجية والتعاون بين موسكو وطهران.

تشجيع روسيا

في المقابل، فإن التواصل مع روسيا، يتيح لإسرائيل تحقيق نجاحات على صعيد تقليص القدرات العسكرية لإيران في سورية، مع تأثير روسي محدود على العمليات الإسرائيلية في الأراضي السورية. وتحتاج إسرائيل إلى المحافظة على تواصلها مع روسيا لتأمين هذه الأهداف العليا.

ويرى المشاركون في الحلقة النقاشية أنه على إسرائيل أن تؤكد للولايات المتحدة إدراكها لرغبة روسيا في تقليص النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط وهو ما يتعارض مع المصالح الأساسية الإسرائيلية. كما يجب على إسرائيل التحلي بالشفافية الكاملة مع واشنطن بشأن العلاقات الإسرائيلية الروسية والتي تتركز على ضمان عدم الصدام ودعم تدابير السلام، وضمان حرية التحرك لإسرائيل في سورية وأنها تقتصر على الجوانب التكنولوجية والمخابراتية.

وبالنسبة لمجالات التعاون بين أمريكا وإسرائيل بشأن الوجود الروسي في منطقة الشرق الأوسط، يرى الخبراء والباحثون المشاركون في النقاش أن هناك أربعة مجالات محددة لهذا التعاون، في مقدمتها: تشجيع روسيا على القيام بدور خاص في سورية للحد من الوجود الإيراني فيها.

تسوية سياسيةكما يمكن التعاون بين أمريكا وإسرائيل من أجل توفير التمويل لتحقيق تسوية سياسية للصراع في سورية. فالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والدول العربية يمكن أن تلعب دورا في إعادة إعمار سورية في المستقبل، واستخدام الموارد المالية كوسيلة لتحقيق النتائج المرجوة من التسوية، مثل تقليص وجود إيران ونفوذها في سورية.

كما يمكن التشاور مع روسيا بشأن الملف النووي الإيراني وهو ما يمكن أن يعزز البنود المتفق عليها بين تل أبيب وواشنطن بالنسبة لهذا الملف، وبخاصة الإجراءات المتعلقة بأعمال التفتيش والرقابة التي تقوم بها وكالة الطاقة الذرية على الأنشطة النووية في إيران.

وأخيرا يمكن العمل على الحد من مبيعات الأسلحة الروسية لدول الشرق الأوسط، حيث يمكن ممارسة الضغوط بقوة على روسيا لعدم بيع الأسلحة والمعدات العسكرية المتقدمة مثل أنظمة الدفاع الجوي والصورايخ المضادة للسفن وطائرات سوخوي 35 لدول الشرق الأوسط حتى لا تتغير موازين القوة العسكرية في المنطقة.
المزيد من المقالات
x