الولايات المتحدة الأمريكية صديقة لباكستان من أجل خدمة مصالحها

انسحاب واشنطن من أفغانستان يفتح الباب أمام نهاية العلاقات مع إسلام أباد

الولايات المتحدة الأمريكية صديقة لباكستان من أجل خدمة مصالحها

السبت ١٥ / ٠٥ / ٢٠٢١
تشكو باكستان في كثير من الأحيان من أن الولايات المتحدة دولة صديقة فقط إذا كانت هذه الصداقة تحقق لها نفعًا. فالمسؤولون الأمريكيون يتسمون بالكرم، وحتى المجاملة، عندما تحتاج واشنطن إلى مساعدة من إسلام أباد، ولكن في اللحظة التي لم تعد فيها الولايات المتحدة في حاجة لذلك، من الممكن أن تسلك نهجًا عقابيًا تجاه باكستان.

يمثل هذا الطرح المحور الرئيسي لتقرير أعده مايكل روبين، الباحث المقيم بمعهد «أمريكان انتربرايز»، ونشرته مجلة «ناشيونال إنتريست» الأمريكية، حيث يرى أن هذا الانتقاد صحيح، فقد كانت باكستان على مدار فترة طويلة الاختيار الثاني لأمريكا.


ويقول روبين إنه في أعقاب تقسيم الهند وتأسيس دولة باكستان في عام 1947، أراد صنّاع السياسة في أمريكا التحالف مع الجانبين لإقامة درع في مواجهة الشيوعية.

ولكن منذ التقسيم، خاضت باكستان والهند حروبًا ضارية أسفرت عن مقتل الآلاف إن لم يكن الملايين ونزوح الكثيرين وما زال النزاع بينهما حول كشمير يستعر.

حيادية واشنطن

ولطالما ادعى الرئيس الأمريكي الراحل، هاري ترومان، الحيادية، رغم أن باكستان تعتقد أنه كان يميل ناحية الهند. ففي أكتوبر من عام 1947، مثلًا، رفضت الخارجية الأمريكية طلبًا من باكستان بتوفير ملياري دولار مساعدات عسكرية. كما شعر زعماء باكستان بالتهميش في عام 1949، عندما دعا ترومان رئيس وزراء الهند آنذاك، جواهر لال نهرو، لزيارة واشنطن، دون توجيه دعوة مماثلة لنظيره الباكستاني.

وأوضح روبين في تقريره أن ترومان لم ينظر مطلقًا إلى طلب باكستان بتلقي معاملة متساوية على أنه أمر واقعي: فالهند تمثل أربعة أمثال باكستان، من حيث المساحة والسكان، كما أنها تملك مؤسسات ديمقراطية مستقرة. وعزز انتصار الهند على باكستان في الحرب بين البلدين، -1947 1948، من أهمية الهند في إطار الحرب الباردة.

عدم الانحيازولسوء حظ أمريكا، كان لدى نيودلهي أفكار أخرى، حيث أراد نهرو أن يجعل من الهند مركزًا لحركة عدم الانحياز، وهو ما يعني في الواقع، اقترابها من مجال نفوذ الاتحاد السوفيتي. وكان أمام باكستان ثلاثة خيارات: عدم الانحياز، أو الانضمام للمعسكر السوفيتي، أو إقامة شراكة مع الغرب.

ولم يكن الخيار الأول ليجدي نفعًا، حيث إن باكستان لم تكن لتنافس الهند في قيادة حركة عدم الانحياز، ولم تشأ أن تصبح تابعًا. ولم يكن الخيار الثاني مجديًا، حيث تعامل السوفيت مع الهند على أنها الأكثر قوة وأهمية إستراتيجية. ولذلك، ابتلع مسؤولو باكستان كبرياءهم وسعوا إلى تحالف مع أمريكا من أجل أن يكون لبلادهم راعٍ للدفاع عن أمنها في ظل النزاعات على الحدود مع الهند وأفغانستان.

ولكن عندما فشل ترومان في كسب تأييد الهند لجهوده في إقامة تكتل مناوئ للشيوعية، حوّلت واشنطن انتباهها إلى باكستان.

وفي الثالث من مايو 1950، أصبح رئيس وزراء باكستان الراحل لياقت علي خان، أول زعيم باكستاني يزور واشنطن. وأدركت باكستان أنها كانت دائما، وستظل، الخيار الثاني لأمريكا.

أزمة 1965ووصل الأمر إلى أزمة في عام 1965، عندما طلبت باكستان من أمريكا دعمها ضد الهند في الحرب، وادعت إسلام أباد «زيفا» أن نيودلهي هي التي بدأت العدوان. ورفضت واشنطن، التي كانت آنذاك غارقة في مستنقع فيتنام.

واستمرت نفس الديناميكية في أعقاب انهيار الاتحاد السوفيتي. ولكن في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، جعلت أمريكا من الحرب على الإرهاب أولويتها القصوى. ولعبت باكستان دورًا في ذلك، ولكن انصب اهتمامها الأكبر على الخوف من أن تصبح أفغانستان مركزًا للإثنية القومية. وفيما يتعلق بالبرنامج النووي الباكستاني، الذي بدأته إسلام أباد في عام 1955، وبعد عقد من هذا التاريخ، قامت بتشغيل أول مفاعل نووي لديها بمساعدة أمريكا. واعتزم مسؤولو باكستان بالفعل إنتاج سلاح نووي. وفي عام 1965، أعلن وزير خارجية باكستان آنذاك، ذو الفقار علي بوتو، «إذا صنعت الهند القنبلة (النووية)، فسوف نأكل العشب أو الأوراق، بل سنجوع، لكن سيكون لدينا القنبلة الخاصة بنا. ليس أمامنا بديل»، وجاءت خسارة باكستان لبنجلاديش في عام 1971 لتعزز عزم بوتو، الذي أطلق «المشروع 706» في العشرين من يناير 1972، لتصنيع قنبلة ذرية.

البرنامج النوويوسعت إدارة الرئيس الأمريكي الراحل جيرالد فورد في هدوء إلى إجبار باكستان على وقف برنامجها النووي، ولكن دون جدوى. وأسفر تشديد الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر على منع الانتشار النووي، عن خروج الخلاف الدبلوماسي إلى العلن. وتحرك الكونجرس الأمريكي سريعا من أجل حظر المساعدات الاقتصادية والعسكرية عن باكستان، وتغيرت الأمور تماما عقب الغزو السوفيتي لأفغانستان.

ولكن عقب انسحاب السوفيت، رفضت إدارة بوش الأب، بمقتضى تعديل بريسلر لعام 1985، أن تقر بأن باكستان لم تكن تسعى لامتلاك أسلحة نووية.

وبالمثل، بعد إجراء باكستان تجارب نووية في عام 1998، فرضت إدارة الرئيس بيل كلينتون عقوبات بموجب بنود تعديل جلين. وتم إلغاء هذه العقوبات فقط عندما احتاجت أمريكا لباكستان في الحرب على الإرهاب في عام 2001 ويرى روبين أن القضية بالنسبة لباكستان الآن، هي ما إذا كانت الأمور ستسير على نفس المنوال في عهد الرئيس جو بايدن.

الانسحاب من أفغانستانوفي ظل مواصلة الرئيس بايدن سياسة سلفه دونالد ترامب، بشأن الانسحاب الأحادي للقوات من أفغانستان، ستصبح أمريكا في القريب العاجل دون حاجة لباكستان، ولن يلجأ البيت الأبيض أو الكونجرس إلى غض الطرف عن مصادر التوتر في العلاقات مع إسلام أباد - وهي في المقام الأول رعاية الإرهاب من قبل الاستخبارات الباكستانية.

ويرى الباحث روبين أن هذا من شأنه أن يدفع سريعًا الجهود داخل الكونجرس إلى ممارسة الضغط على الخارجية الأمريكية من أجل تصنيف باكستان دولة راعية للإرهاب. وقد يرفض الدبلوماسيون واللوبي المؤيد لباكستان في الخارجية الأمريكية الفكرة، ولكن هناك مزيجًا من الإحساس بالنصر في باكستان بسبب انسحاب القوات الأمريكية المقرر من أفغانستان، وقد ترتكب جماعة طالبان أعمالًا عدوانية عقب ذلك، وهو ما من شأنه أن يثير الرأي العام وأن يدفع الساسة الأمريكيين إلى تحرك رمزي.

ويقول روبين في ختام تقريره إنه يتعين على باكستان أن تستعد من الآن للانضمام إلى ناد يضم معها إيران، وسورية، وكوريا الشمالية.
المزيد من المقالات
x