الطريق إلى الموت.. 6 مراحل تعبر بالشباب إلى «مستنقع الإدمان»

الهروب من الأزمات والفضول والتفكك الأسري أبرز الأسباب

الطريق إلى الموت.. 6 مراحل تعبر بالشباب إلى «مستنقع الإدمان»

اتفق خبراء علم نفس واجتماع على أن إدمان المخدرات من أكبر المشكلات المدمرة للفرد والمجتمع، لما لها من أضرار صحية ونفسية واجتماعية واقتصادية وكذلك أمنية، مشيرين إلى أن تجار المخدرات ينصب تركيزهم على فئة الشباب لحساسية هذه المرحلة العمرية وإمكانية اختراقها.

وسردوا لـ«اليوم» أبرز أسباب تعرض الفرد لخطر المخدرات والمضاعفات المصاحبة للتعاطي، إلى جانب أهم وسائل الوقاية، مؤكدين أهمية دور الأسرة في حماية الأبناء من الوقوع في خطر الإدمان.


انتكاسة المدمن المتعافي مسؤولية المجتمع

أوضح مستشار تطوير الذات والخبير الاجتماعي د. طلال أبا ذراع، أن الأسرة هي بوابة الفرد إلى الحياة والقلعة الحامية من الانزلاق في متاهات الإدمان والضياع، مشيرا إلى أن دور الأسرة في علاج المدمن يشمل ثلاثة جوانب، الأول: الدور الوقائي، بتوعية الأبناء وتحذيرهم من خطورة المسكرات والمخدرات ومدى ضررها على سلامة عقل وصحة ومستقبل الأبناء، وتعزيز القيم الدينية والاجتماعية في أنفسهم، التي تجنبهم الوقوع في براثن الهلاك، والثاني: الدور الإثرائي، باستمرارية التذكير بوجوب لزوم السلوك الإيجابي وتجنب رفقاء السوء وتكوين روابط الثقة وحسن التواصل بين الوالدين والشباب، والثالث: الدور العلاجي، حينما تزل قدم الابن في مرض الإدمان في لحظة ضعف وجهل فيجب على الأسرة أن تبادر باحتواء الابن ومساعدته في رحلة العلاج، ودعمه للتعافي وعدم التخلي عنه أو البراءة منه؛ فالعلاج مهمة جماعية لن يسهل على مريض الإدمان الاستمرار برحلة العلاج ما لم تكن الأسرة الداعم والمناصر، ويلزم على الأسرة تقديم كل الإمكانات اللازمة للمضي في رحلة العلاج والتعافي.

سلوكيات متمردة

وذكر أبا ذراع أن القبول الاجتماعي والأسري للمدمن المتعافي مهم جداً لاستعادة ثقته بنفسه وروح الإنتاجية والطموح والارتقاء بالنفس والروح، وأما في حال عزل المجتمع للمدمن المتعافي ووضع حاجز بينه وبين العمل والإنتاج، ستنتج عنه انتكاسات وسلوكيات متمردة وانحرافات من قبل المدمن؛ ولذلك كان لزاماً على جميع المؤسسات تسهيل الإجراءات، التي تدمج المتعافين بالمجتمع وترحب بهم للمشاركة في مشاريع التنمية وبناء الوطن لتحميهم من الرجوع لسلوك طريق الموت والمخدرات.

وأضاف «يجب تسهيل عودة المدمن المتعافي لمقاعد الدراسة، وتيسير حصوله على فرصة عمل، ومساعدته في بناء أسرة طبيعية، وتوفير احتياجاته النفسية والصحية، وعدم تجاهله أو تعييره أو إقصائه عن الحياة الاجتماعية، فالمجتمعات الواعية تحتوي أفرادها وتساعدهم للثبات وتجنب مناهج الضلال».

إدمان الفتيات

وأشار إلى أن إدمان الفتيات على المخدرات له عدة أسباب متنوعة، أولها التفكك الأسري والفراغ العاطفي، وفقدان الرقيب أو ضعفه، والتاريخ المرضي النفسي أو الإدماني الوراثي في العائلة، وتأثير الأقران وصديقات السوء، وكذلك البرامج الإعلامية والمنتجات الهوليودية غير المنضبطة العابرة للقارات المضللة للشباب والفتيات، وعولمة الجريمة خلال وسائل الإعلام، والإساءة النفسية أو الاعتداء على الفتاة، وعدم اعتناء الآباء والأمهات بالتنشئة الأسرية السليمة، وعدم تزويج الفتاة بالشخص الكفء، وسقوط الفتاة في فخ العلاقات المنحرفة، كل تلك أسباب تؤدي إلى الإدمان.

وقال: إن أكثر الدراسات الاجتماعية تؤكد أن عدم استقرار العلاقة الزوجية بين الأب والأم، والشعور بالإهمال وغياب دور الأب وقسوة الوالدين، والعنف المنزلي وفقدان الرعاية الوالدية، من أكثر الأسباب المؤدية لإدمان المخدرات، مؤكدًا أن إهمال الأسرة للأبناء سبب أساسي لانحرافهم.

وأكمل «ربما كانت المواقع المنزوية البعيدة عن أعين الأهالي ورجال الأمن أو تلك الحفلات الحمراء على أطراف المدن في بعض المزارع والاستراحات هي بؤرة الانتشار، وذلك بسبب بعدها عن عين الرقيب وعلم الأهالي والوالدين؛ لذلك كان لزامًا متابعة الأبناء والفتيات وحمايتهم من كل ما قد يضرهم أو يؤثر عليهم».

انسحاب واستسلام

وأضاف إن الطريقة المثلى لإعادة تغيير سلوك ونمط حياة المدمنين تكون أولاً بفهم خصائص المرحلة العمرية للأبناء والبنات ثم تفهم تحدياتهم النفسية والحياتية، وكذلك بالقرب منهم والتفاهم معهم والتواصل الإيجابي المبني على الصدق والشفافية والمرونة والثقة مع تعزيز القيم بأسلوب لطيف بدون تعيير أو تعنيف، وفي الوقت ذاته انخراطهم ببرنامج تعافي علاجي على أيدي مختصين في مستشفيات الأمل مع تقديم كل ما يلزم لهم لمواصلة العلاج بدون انسحاب أو استسلام، ثم توفير فرص وظيفية وفرص إكمال دراسة لهم، والاحتفاء بالمتعافين الملتزمين بالبرامج العلاجية منهم وتحفيزهم لتحقيق طموحاتهم في الحياة.

التركيبة النفسية

وشدد على ضرورة تفعيل دور المؤسسات الاجتماعية، خصوصًا دور الأسرة، وتوفير الجو الإيجابي من خلال خلق روح الحوار داخل المنازل وتعويد الأسرة عليه، والابتعاد عن التدليل الزائد أو القسوة المفرطة، ومراقبة الفتاة ومعرفة صديقاتها وتحركاتها، وأخذ رأيها وعدم تهميشها أو تجاهل وجهة نظرها، ومناقشتها مناقشة واعية وتعويدها على ذلك، وعدم إجبارها على الزواج ممن لا ترغب فيه، وتفعيل دور الأخصائيات الاجتماعيات في المدارس، وتفعيل دور الإعلام الهادف، وإعداد البرامج الهادفة في هذا الشأن، واقتراب الأم من ابنتها برفق، ومراعاة التركيبة النفسية والهرمونية للفتاة، خصوصاً فترة الامتحانات والدورة الشهرية، وتوعية الأسرة بأساليب التربية السليمة.

اللعب على وتر حب المغامرة والتجربة

ذكر المتخصص في علم الجريمة والمشكلات الأسرية د. عبدالعزيز آل حسن أن قضية المخدرات لم تعد ذات نطاق محلي أو إقليمي أو قاري، بل أصبحت قضية عالمية تكافحها جميع الدول بكل السبل والوسائل، وتتعدد طرق ترويج المخدرات للبحث عن المستهدفين من المتعاطين ممن ادخلوا أنفسهم في مستنقع مليء بالوحل والسموم وذهاب العقل والانطواء الاجتماعي والعزلة والجري خلف شهوات الجسد دون وازع ديني ولا رادع ذاتي، إذ يستهدف تجار المخدرات فئة الشباب بشكل خاص لحساسية هذه المرحلة، التي تحب المغامرة والتجربة، ولديها حب الاستطلاع والتحدي والخوض في المجهول والتمادي مع جماعة الرفاق وإثبات الذات وقوة الشخصية بأي شكل من الأشكال حتى لو كان على حساب صحة جسده وعقله.

وأضاف إنه مع تقدم التقنية والانفتاح الرقمي والإعلامي والعولمة، أصبح من المؤكد وصول المعلومة والمعرفة واكتشاف العالم في ثوانٍ معدودة، ولأن هذه المرحلة كما أسلفنا تبحث عن كل جديد وتحب التجربة والمغامرة؛ فقد استغل تجار المخدرات وناشرو الفساد هذا الجانب، من خلال تجربة وسائل جديدة لنشر فسادهم وموادهم المخدرة، تشمل وسائل التواصل الاجتماعي واستخدام عبارات وألفاظ تلفت نظر فئة الشاب كمنشطات القوة والتحدي ونمو العضلات والمكملات الغذائية ومشروبات الطاقة وكبسولات النشاط الجسدي والظهور بشكل جذاب ولافت للانتباه، وأن هذه المواد تساعدهم على تحقيق مستويات دراسية مميزة، وهي تساعد على تنشيط الذاكرة وتساعد على السهر لفترات طويلة للتركيز على إنهاء المواد الدراسية وأداء الامتحانات بكل نشاط، بالإضافة إلى استخدام صور النساء والعري، التي تغري الشباب للوقوع في براثن المخدرات.

وأكمل آل حسن أن تاجر المخدرات يركز على الوسائل الأكثر انتشاراً واستخدام أسماء لامعة وحسابات وصور ومقاطع وعبارات تجعل الشباب ذكوراً وإناثاً يتابعون مثل هذه الحسابات، ويحاولون زرع الثقة في تلك الحسابات، إذ يتم استدراجهم ليقعوا ضحية لهم، وهنا لا بد من وقفة تتشارك فيها جميع الجهود، التي تبدأ من ذات الفرد ثم الأسرة والمجتمع ثم الأجهزة الحكومية، خاصة الجهات الإعلامية والأمنية لمتابعة ومراقبة مثل هذه البرامج والتطبيقات وملاحقة أصحابها والقبض عليهم.

وشدد على أهمية توعية الشباب بخطورة مثل هذه الحسابات والتجاوب معها أو الاشتراك بها، وحثهم على أن يكونوا رسل سلام وجهة رقابية مساندة للإبلاغ عن كل مروج أو بائع أو مَنْ يحاول الفساد والإخلال بنظام الوطن والمواطن.

البيئة الأسرية الواعية «مفتاح الحل»

قالت الأخصائية النفسية ريم المعمر إن تعاطي المخدرات من القضايا الصحية المهمة، التي تحتل مكان الصدارة بين المشكلات الصحية والاجتماعية ذات التأثيرالمدمر على الفرد والمجتمع ككل، ومن الناحية النفسية فإن التعاطي يؤثر سلبًا على الجوانب المعرفية والسلوكية والوجدانية للفرد، وقد تصل إلى الإصابة بالاضطرابات الذهنية، وغيرها من الاضطرابات النفسية.

وأضافت إن الإدمان يؤدي إلى العزلة الاجتماعية وفقدان العمل أو ترك الدراسة وتفكك الروابط الأسرية، كما قد يرتبط التعاطي بالإصابة ببعض الاضطرابات النفسية أو اضطرابات الشخصية أو التعرض للصدمات النفسية أو انخفاض مهارات التعامل مع الضغوط والمشكلات الحياتية، ويلجأ البعض للتعاطي كمحاولة للهروب من مشاعر الإحباط أو الألم النفسي أو الضغوط المزمنة.

وأكملت أن انخفاض مهارات التحكم بالذات وسوء التوافق الشخصي والاجتماعي من العوامل المؤدية لتعاطي المخدرات، وتعد الرغبة أول مراحل التعاطي إذ يشعر الفرد برغبة التعاطي بسبب الفضول أو محاكاة جماعة الأقران أو شيوع المفاهيم المغلوطة عن بعض أنواع المخدرات مثل قدرتها على زيادة التركيز أو الإنجاز، التي ينشرها عصابات تهريب وترويج المخدرات في وسائل التواصل الاجتماعي للتغرير بالشباب وإيقاعهم في شرك الإدمان، أما المرحلة الثانية فهي مرحلة التجربة، والمرحلة الثالثة هي التعاطي غير المنتظم، التعاطي المنتظم ويليه الاعتماد حتى يصل للمرحلة الأخيرة وهي الإدمان، وقد لا يكون المتعاطي واعيًا بنفسه خلال مروره بهذه المراحل، خصوصًا المراحل الأخيرة فيجد نفسه غارقًا في مرحلة الإدمان وقد فقد الكثير.

وأشارت المعمر إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي زادت من سرعة وحجم انتشار الكثير من الظواهر الاجتماعية السلبية والإيجابية منها، وقد يساء استخدامها عن طريق نشر السلوكيات الخاطئة مثل التعاطي من قبل عصابات تهريب وترويج المخدرات، وذلك لسهولة الوصول لفئة كبيرة من الشباب، لافتة إلى أنه من المهم تنمية الوعي الفكري لدى الشباب، الذي يتمثل في القدرة على الإدراك الكامل للحقائق والمعلومات ويساعد في تمييز السلوكيات الخاطئة والمدمرة مثل التعاطي، وإدراك مخاطره الجسيمة على الفرد والمجتمع، إضافة إلى توفير البيئة الأسرية الواعية والعناية بالصحة النفسية للأبناء عن طريق تقديم الدعم والحب والألفة والمودة والاحتواء ووجود القدوة الحسنة في العائلة، بالإضافة إلى أهمية تفعيل الدور الرقابي للأسرة، مشددة على عدم التردد في طلب المساعدة الطبية مع حالات التعاطي والإدمان سواء عن طريق المستشفيات الحكومية أو الأهلية، التي تتعامل مع هذه الحالات بسرية تامة.

المزيد من المقالات
x