المخدرات.. «سموم وافدة» تستهدف جسد الاقتصاد وضرب التنمية

«القتل تعزيرا» عقوبة التهريب والترويج.. والسجن للمتعاطين

المخدرات.. «سموم وافدة» تستهدف جسد الاقتصاد وضرب التنمية

حققت المملكة جهودا استثنائية، في مكافحة ظاهرة تهريب المخدرات إلى أراضيها، وضبطت مؤخرا كميات كبيرة من الأقراص والمواد المخدرة المتنوعة، القادمة من لبنان أو تركيا أو إيران، وذلك ضمن مؤامرات استهداف أمن وشباب المملكة.

وبحث الإنسان منذ القدم عن مسببات السعادة وإن اختلفت مصادرها، إذ كانت المواد المخدرة حاضرة منذ آلاف السنين ما قبل الميلاد إلى يومنا هذا، وتشكل المخدرات ظاهرة ومشكلة عالمية تؤثر على استقرار الدول، وضرب عصب تطورها ونمائها باستهداف فئات عمرية محددة، واتفق أخصائيون ومحامون على أن الإدمان لا يعد جريمة يعاقب عليها الفرد، بل مرض يتطلب مراحل علاجية، والنظر إلى مسببات الإدمان وتكثيف البرامج التثقيفية. وقامت اللجنة الوطنية بالعمل على إعداد برامج وقائية للحد من انتشار المخدرات، وتكوين الوعي بين أفراد المجتمع.


ويتزامن تكثيف الرقابة الأمنية، وتشديد الإجراءات فيما يتعلق بحماية البلاد من تهريب المخدرات، مع التطور في وسائل التواصل الاجتماعي، ووصول العصابات إلى عقول الشباب والفتيات من خلال تحفيزهم على تجربة المخدرات حتى الوقوع في الإدمان.

خطط صحية واجتماعية ووقائية

أكدت اللجنة الوطنية لمكافحة المخدرات أنها تسعى إلى الحد من انتشار المخدرات بين أفراد المجتمع، وتكوين وعي صحي واجتماعي وثقافي ووقائي رافض لتعاطي المخدرات والمؤثرات العقلية، من خلال المساهمة في تنظيم جهود الجهات الحكومية والخاصة ذات العلاقة، وكذلك وضع البرامج الوقائية وبنائها ودعمها ومن تلك البرامج على سبيل المثال: تحث اللجنة الوطنية الجهات على تقديم البرامج الوقائية لمنسوبيها، وإطلاق دبلوم الوقاية من تعاطي المخدرات والمؤثرات العقلية والذي بدأ عدد من الجامعات بتنفيذه، ويهدف إلى إعداد مختصين في تقديم وإعداد البرامج الوقائية لأفراد المجتمع، كما تساهم اللجنة الوطنية لمكافحة المخدرات في التوعية المجتمعية بشكل مباشر من خلال مواقع التواصل الاجتماعي وكافة الوسائل المتاحة، ويتم بناء البرامج الوقائية المقدمة وفق الأسس العلمية ومعايير التميزّ في العمل الوقائي، والتي تضمن بمشيئة الله الوصول للفئات المستهدفة بطريقة مقنعة ومؤثرة.

وأشارت اللجنة إلى أن التطور التقني الذي نعيشه الآن أسهم في تطوير عدد من الجوانب الإيجابية في حياتنا وسهل علينا كثيرا من الأمور، ولكنه من جهة أخرى سهل لبعض ضعاف النفوس استغلال هذا التطور كوسائل التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية في ترويج المخدرات والمؤثرات العقلية، مؤكدة أن المملكة تقف كحصن منيع لمكافحة ذلك من خلال الجهات الأمنية في وزارة الداخلية والتي ترصد وتتابع ما يتم عبر تلك الوسائل وتستقبل البلاغات حيالها عبر الطرق المعروفة وتتفاعل معها بجدية لقمع مثل تلك الأساليب حماية لأبنائنا وبناتنا من الوقوع في براثن وحيل هؤلاء.

أوضح المحامي والمستشار القانوني محمد الشهراني أن الإدمان لا يعتبر جريمة، بل هو مرض يتطلب علاجا من خلال مراكز إعادة التأهيل الموجودة لدينا في السعودية. والأنظمة السعودية لا تعامل المدمن كمجرم، حيث إن أي مدمن له الحق في التقدم إلى مراكز إعادة التأهيل لتلقي العلاج اللازم ويتم حفظ سرية معلوماته والتكتم عليها وعدم الإبلاغ عنه.

وبيّن أن الاستخدام أو التعاطي يعتبر جريمة يعاقب عليها النظام، وبالأخص نظام مكافحة المخدرات في مادته 41 والتي تحدد عقوبة الاستخدام أو التعاطي بالسجن مدة لا تقل عن 6 أشهر ولا تزيد على سنتين، وتزيد هذه المدة عند التكرار.

وذكر أن ترويج المخدرات للمرة الأولى استنادا إلى المادة الثالثة من نظام مكافحة المخدرات عقوبته السجن مدة لا تقل عن 5 سنوات ولا تزيد على 15 سنة، وبالجلد بما لا يزيد على خمسين جلدة في كل مرة، وبغرامة من ألف - 50 ألف ريال. وأضاف أن في حال ثبت تكرار الترويج للمرة الثانية فعقوبته القتل تعزيرا.

وأوضح أن المنشآت والشحنات التجارية التي تروج وتهرب المخدرات تحت ستار العمل التجاري، فإن الأشخاص المنسوبين لهذه المنشآت إذا ثبت تورطهم في التهريب يعاقبون بالقتل تعزيرا.

التوعية ودعم مواهب الأبناء ضرورة

ذكر الأخصائي الاجتماعي محمد الحسين أن أول مادة ظهرت منذ التاريخ هي الكحوليات «الخمر»، والتي تعد أشهر مادة إدمانية على مستوى العالم حتى هذا الوقت، وأول من اكتشفها هم الصينيون منذ آلاف السنين، وبدايتها كانت بعمليات التخمير سواء الأرز أو البطاطس والقمح والشعير، حتى قبل 2000 سنة قبل الميلاد، تعرفوا على تخمير العنب من العالم الغربي، وكان يستخدم في المناسبات والاحتفالات، ومن ثم جاءت مادة الحشيش، والتي تم اكتشافها بآسيا الوسطى، وكان يشعر المدمنون عليها بالسعادة لذلك ارتبط الإدمان بالسعادة.

وأشار، خلال ندوة مجمع إرادة والصحة النفسية بالدمام التابع لتجمع الشرقية الصحي، إلى أنه ظهرت بعد ذلك مادة «الأفيون» وهي من المواد التي كانت منقوشة على جدران المعابد، وبدأت من الصين حتى وصلت إلى مصر، وكانت تستخدم في علاج الآلام، ثم اكتشفها المسلمون وكانوا يستخدمونها لعلاج التهابات الرئة، حتى وصلت إلى رحلة الإدمان، ثم اشتقت منها مادة «المورفين»، وكانت تستخدم في العلاجات الطبية إلى أصبحت كذلك من الإدمان.

وبين أنه بعد مادة «المورفين» ظهرت مادة «الهيروين» والتي تعد أخطر مادة، واستخدمت طبيا فترة قليلة حتى اكتشف أنها مادة خطرة تم تصنيفها مادة مخدرة، وبعد ذلك ظهرت مادة «إمفيتامين» التي استخدمها الجنود الطيارون، ثم صنفت مادة مخدرة.

وبين أن مختصي القانون يعدون الإدمان جريمة، بينما المهتمون بالعلاج يعدونه مرضا، مشيرا إلى أن الإدمان إحدى الكوارث التي أبتليت بها المجتمعات، وأصبحت ظاهرة ومشكلة عالمية، ولا تقتصر على الرجال أو النساء بل وصل التعاطي للأطفال.

وأوضح أنه لا بد للرجوع إلى الأسباب الرئيسية التي أدت إلى الإدمان، هل كانت بسبب ضغوطات نفسية، اجتماعية، أو اقتصادية، لأن ذلك يسهم في العلاج، مشيرا إلى أهمية دور الأب والأم والاهتمام بالأبناء ثقافيا وتوعويا ودينيا.

وأضاف أنه يجب على الوالدين تثقيف أبنائهم حول المخدرات وأنواعها وخطورتها، مشيرا إلى أن عددًا من الآباء لا يتطرق إلى هذا الأمر خلال حديثه معه أبنائه، بالرغم من أهمية التوعية في هذا الجانب، كما يجب توعية الأبناء وتثقيفهم حول الإدمان وأسبابه وخطورة المخدرات بالتدريج في الفئات العمرية للابن، بالإضافة إلى تجنب العنف والقسوة مع الأبناء، ومنحهم الثقة والدعم لمواهبهم وهواياتهم، وتوفير الجو الأسري الهادف في المنزل، والأهم هو مراقبة الأصدقاء للابن والتعرف عليهم بشكل قريب.

وأضاف أن مراحل العلاج للإدمان هي: التشخيص ودراسة الحالة من قبل الأخصائي الاجتماعي والنفسي، ومن ثم مرحلة إزالة السموم، ثم الرعاية والتأهيل والتي تمتد من عام لعامين وتختلف من مريض لآخر، وعدم إعطاء وعود وآمال للمريض حتى لا يصل لمرحلة من العلاج ولا تتحقق آماله ثم يعود للإدمان.

الإدمان مرض يتطلب العلاج قبل العقوبة

أوضح المحامي والمستشار القانوني محمد الشهراني أن الإدمان لا يعتبر جريمة، بل هو مرض يتطلب علاجا من خلال مراكز إعادة التأهيل الموجودة لدينا في السعودية. والأنظمة السعودية لا تعامل المدمن كمجرم، حيث إن أي مدمن له الحق في التقدم إلى مراكز إعادة التأهيل لتلقي العلاج اللازم ويتم حفظ سرية معلوماته والتكتم عليها وعدم الإبلاغ عنه.

وذكر الشهراني أن هذا السؤال «إذا كان الإدمان مرضا، فلماذا نسجن المرضى؟»، غير سياسة دولة البرتغال في القضاء على المخدرات، وأصبحت البرتغال نموذجا عالميا، إذ غيرت نظامها الجنائي فيما يخص ذلك، وبدل سجن مستخدمي المخدرات، تتم إحالتهم إلى لجان طبية لإعادة تأهيلهم. فالتجريم والعقوبة ليسا حلا. وهذا النموذج مطبق عندنا في المملكة من الأساس، وقد يكون سابقا لتبني دولة البرتغال هذا النموذج.

وبيّن الشهراني أن الاستخدام أو التعاطي يعتبر جريمة يعاقب عليها النظام، وبالأخص نظام مكافحة المخدرات في مادته (٤١) والتي تحدد عقوبة الاستخدام أو التعاطي بالسجن مدة لا تقل عن ستة أشهر ولا تزيد على سنتين، وتزيد هذه المدة عند التكرار.

وذكر أن ترويج المخدرات للمرة الأولى استنادا إلى المادة الثالثة من نظام مكافحة المخدرات عقوبته السجن مدة لا تقل عن خمس سنوات ولا تزيد على خمس عشرة سنة، وبالجلد بما لا يزيد على خمسين جلدة في كل مرة، وبغرامة من ألف ريال إلى خمسين ألف ريال. وأضاف أن في حال ثبت تكرار الترويج للمرة الثانية فعقوبته القتل تعزيرا.

وأوضح أن المنشآت والشحنات التجارية التي تروج وتهرب المخدرات تحت ستار العمل التجاري، فإن الأشخاص المنسوبين لهذه المنشآت إذا ثبت تورطهم في التهريب والترويج يعاقبون بالقتل تعزيرا. وأضاف أن المنشآت بصفتها أشخاصا اعتباريين وليسوا أشخاصا طبيعيين، فلا يمكن تطبيق عقوبة السجن أو القتل عليهم، لذلك إذا ثبت أن أساس إنشاء هذه المنشآت هو التهريب والترويج، فيتم إغلاقها وتغريمها ومصادرة جميع ممتلكاتها لارتباطها بالجريمة. وإذا كان تأسيسها لأغراض تجارية أساسا وأن هذه الجرائم تمت من قبل منسوبيها كأفراد من غير علم المنشآت أو المسؤولين فيها، فتقتصر العقوبة على الأفراد مرتكبي الجرائم.
المزيد من المقالات
x