الجائحة والأزمات الاقتصادية سبب بخل الإنتاج الدرامي

"الكوميديا الخليجية" مخاطرة غير مأمونة العواقب نسبة نجاحها لا تتعدى 20 %

الجائحة والأزمات الاقتصادية سبب بخل الإنتاج الدرامي

الأربعاء ٢٨ / ٠٤ / ٢٠٢١
هدى حسين تكرس مبدأ النجم الأوحد في «الناجية الوحيدة»

من الصعب أن أدخل شخصيًا في موجة الكتابة حول الدراما الخليجية لعدة أسباب، من أهمها أني أحد العاملين في هذا المجال، ولي عدد من التجارب فيه عبر سنوات طويلة وفي عدد من دول الخليج، ثانيًا، لأني مع التقدير لدور النقد وأهميته في تقويم أي تجربة فنية أو ثقافية، على يقين من أن النقد متخلف بسنوات طويلة عن الحركة الفنية الدرامية الخليجية والعربية، لذا فمن الظلم لنفسي أن أتورط مرة أخرى في عملية النقد، فالإنجازات والتجارب الفنية الخليجية عريقة وبمختلف الأنماط الدرامية، بينما الحركة النقدية اكتفت فقط بالمتابعة والتغطية العادية لما يدور في المشهد الفني، دونما الدخول في تفاصيل ذلك المشهد.


كل ما سأقوم به فقط هو قراءة للواقع الدرامي من منظور خاص جدًا ربما تنقصه الدقة، وربما تخونه المتابعة الكاملة للحدث، بحكم أن الموسم الدرامي الرمضاني عادة يعج بالأعمال، من مختلف القنوات والدول، لذا فمن الصعوبة جدًا الدخول في العمق، بل سأكتفي بالمرور العابر مع طرح بعض الأفكار والرؤى التي أستقيها من كوني أحد العاملين في المجال، وكذلك باعتباري مشاهد عادي يتنقل بين القنوات والتطبيقات التلفزيونية المنتشرة في عالمنا الراهن.

تحديات كبيرة

وأجد أن التحديات الكبيرة التي واجهها صناع الدراما كثيرة لكني أوجزها في التالي:

أولا: صعوبة تنفيذ الأعمال وتصويرها بشكل يرضي الطموحات مقارنة بالسنوات الفائتة، وبحكم المنع والاحترازات الطبية، وإجراءات الحظر ومنع السفر التي حدت كثيرًا جدًا من تنفيذ الأعمال بشكل عادي.

ثانيًا: أجد الشح والبخل الشديد الذي تمارسه القنوات الحكومية والخاصة على الأعمال الدرامية، بحكم الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي نعيشها في عالمنا، لذلك تضررت الدراما الخليجية بشكل كبير، رغم أن الحاجة ماسة جدًا للإنتاج والعرض الدرامي، كوننا نقيم في منازلنا بشكل مكثف بعد تصاعد موجة «كوفيد» وسلالاته الجديدة.

ثالثا: ارتفاع حدة المنافسة بسبب انتشار تطبيقات وبرامج الأعمال الفنية والمسلسلات العالمية ذات السقوف المرتفعة من حيث الإنتاج والمواضيع والتنفيذ عالي المستوى، والمشاهد العربي بطبيعة الحال سوف يقارن بشكل واضح بين ما يراه عبر هذه التطبيقات وما يعرض على شاشاتنا الخليجية.

تجربة يتيمة

شخصيًا دخلت هذا العام في تجربة درامية يتيمة جبنت عن الدخول فيها لسنوات، فقد كتبت مع زميل مشواري الفني عبدالرحيم الصديقي سباعية تلفزيونية درامية عنوانها «خيل الخشب»، تعرض على إحدى القنوات المشفرة العالمية، وتعمدنا كتابة سباعية وليست ثلاثينية كعادة كل الأعمال الرمضانية، وقلنا نكتبها سباعية دون مط أو تطويل؛ كي لا يدخل معنا المشاهد في دائرة الملل، لذلك فهناك أعمال تتعمد عدم الإطالة مثل مسلسل «البعد عنها غنيمة» الذي أنتج في خمس حلقات فقط.

كذلك آثرنا أن يكون العمل دراميًا بحتًا بعيدًا عن الكوميديا، لأن إنتاج العمل الكوميدي له مخاطر غير محمودة العواقب، فالدراما الخليجية بالذات في خطها الكوميدي تحمل نسبة نجاح ٢٠٪ فقط، فمن النادر جدًا أن ينجح العمل الكوميدي الخليجي، فإما أن يكون سخيفًا وسمجًا أو سطحيًا ليست له قيمة؛ لذلك قلنا نشتغل في السليم بعيدًا عن الـ ٢٠٪ المخيفة، رغم أن تجاربنا السابقة خصوصًا مع الثنائي المميز «طاش ما طاش» كانت ناجحة، لكن الآن المقاييس تختلف، فمن السهل أن يأتي شخص لم يعجبه العمل، ويرمي عليك هاشتاق «يدفن العمل في مهده» رغم أني كنت أحد نقاد البكائيات في الأعمال الدرامية الخليجية التي قادته السيدة حياة الفهد عبر سنوات.

وقفة احترام

وعلى ذكر حياة الفهد، يجب أن نتوقف باحترام عند تجربتيها العام الماضي وهذا العام «أم هارون ومارغريت»، لأنها مع فريق عملها تدخل مناطق كانت محظورة في الدراما الخليجية لسنوات، لذلك أنا أشد على يديها في هذه الشجاعة الفنية.

ممنوع التجول

في «ممنوع التجول» أعتقد أن التقاط موضوع الكورونا وما رافقها من ظواهر اجتماعية واقتصادية وإنسانية هو التقاط ذكي جدا، فيه حس توثيقي عال، لأن الحدث كبير وهز العالم والأنظمة مهما كانت قوتها العلمية والسياسية، لذلك فاستثمار هذا التصدي له دراميا هو القرار الصحيح جدًا حسب رأيي، وتبقى معالجة مستوى الحلقات بين صعود وهبوط، فهذا من طبيعة الأعمال الفنية ذات الحلقات المنفصلة.

مأساة الكوميديا

أما الأعمال الكوميدية الباقية على مستوى الخليج، فهي مأساة حقيقية من حيث التسطيح والسذاجة، وأنا أعني الأعمال الدرامية وليست البرامج الكوميدية، فهناك فرق شاسع.

والأعمال التراثية التي كانت محببة جدًا للأجيال الخليجية، والتي أبدع فيها النجوم الكبار مثل سعد الفرج وعبدالعزيز المسلم، وكذلك الإنتاج البحريني المتميز في التسعينات «البيت العود، ملفي الاياويد وسعدون» غابت هذا العام إلى حد ما، باستثناء تجارب إماراتية لها كل التقدير.

شوق للجيد

ولا بد أن نستذكر عند كل رمضان الفنان الراحل عبدالحسين عبدالرضا، لأننا ارتبطنا معه عبر سنوات طوال، وشاهدنا سلسلة أعماله الكوميدية الراقية، ولعل ذاكرتنا عندما تستدعي ذلك الجيل ليس من باب «نوستالجيا» أو التوق والحنين إلى الماضي فقط، بل الاشتياق إلى الجيد والرائع، تلك المرحلة الذهبية التي قادها عبدالحسين ورفاقه رحمهم الله.

الناجية الوحيدة

هدى حسين في تجربتها الجديدة «الناجية الوحيدة» تسير في خطها السنوي المعروف عنها وهو خط البطولة المطلقة، والعمل الذي يُفصَّل على مقاسها، وهي سنة معمول بها في عالمنا العربي، وهو تكريس النجومية كما كان يقوم بها عادل إمام ويحيى الفخراني والآن محمد رمضان، فقد بدأت تختفي البطولات الجماعية من نسيج الدراما.

والدراما الخليجية تعكس إلى حد كبير المجتمع الخليجي بكل ما يمر به من تحولات اجتماعية وثقافية، وبدون شك فإن العاملين في صناعة الدراما يضعون «البهارات» الفنية اللازمة لتقديم رسائل مؤثرة في المشاهد.

خيال الدراما

أخيرًا فإن الخيال والإبداع هما الأداة الحقيقية لتقديم وجبات درامية سواء خليجية أو عربية أو عالمية، بل المعروف عند صناع الدراما أن «تكبير وتضخيم» الحدث هو من أبجديات العمل الفني، لأنه لا يمكن أن تكون الدراما صورة كربونية للواقع، وإلا ستقدم أعمالًا وثائقية وليست درامية تجنح نحو الخيال والرؤى والحلم،

وكلما كان العمل يحمل رؤى وخيالًا كان تأثيره أقوى وصداه أعمق، والكوميديا تحديدا يجب أن توجع وتؤلم في طرحها، وأن تضخم المشكلة وتكبر السلوك، وتضع مجهرًا على الشخصيات المراد تناولها.
المزيد من المقالات
x