المبادرة السعودية أهم خطوات «السلام»

السياسي اليمني د. عبدالملك اليوسفي لـ «اليوم»:

المبادرة السعودية أهم خطوات «السلام»

الثلاثاء ١٣ / ٠٤ / ٢٠٢١
قال السياسي اليمني د. عبدالملك اليوسفي: إن مبادرة المملكة الأخيرة جاءت في مفترق طرق للأزمة في بلاده، وتضع أهم خطوات إحلال السلام، وثمن جهود خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وولي العهد الأمير محمد بن سلمان لاستعادة أمن واستقرار الشعب اليمني، مؤكدا أن ميليشيات الحوثي تفوت فرصة كبيرة لوقف التصعيد وتؤكد بمواقفها إصرارها على استمرار إشعال الحرب.

وأشاد في حوار مع «اليوم» ببنود «اتفاق الرياض»، مؤكدا أنها تنقذ اليمنيين من فوضى الانقسامات، واتهم جماعة لم يسمها باختراق مؤسسات الدولة لإفشال حكومة الكفاءات، كما كشف عن تبلور موقف دولي لمساندة التحالف لإنهاء الانقلاب الحوثي، وتطرق أيضا إلى عدد من الموضوعات المهمة التي تتعلق بتطورات الأزمة اليمنية.. فإلى نص الحوار:


- كيف ترى مبادرة المملكة الأخيرة لإنهاء الأزمة اليمنية؟

جاءت المبادرة السعودية لإنهاء الصراع وإحلال السلام في اليمن، في سياق واضح وهو إقامة «الحجة» على ميليشيات الحوثي، والذي ينظر إلى تطورات الأحداث منذ إعلان الرئيس الأمريكي «جو بايدن» في خطابه الشهير بضرورة إنهاء الصراع في اليمن، سيجد أنها تذهب إلى أن الميليشيات الحوثية حصلت على الفرصة الأخيرة لإنهاء الصراع وليس من أجل عملية سلمية.

وتسلسل الأحداث يشير إلى أن إدراج ميليشيات الحوثي منظمة إرهابية أجنبية وفق المادة 219 من قانون الهجرة والجنسية الأمريكي، وككيان إرهاب دولي وفق القرار التنفيذي 12334 المتعلق بالاتفاقية الدولية لمكافحة الإرهاب الدولي والذي كان قرارا جنائيا، إلا أن إدارة بايدن رأت أن تمنح فرصة للانقلابيين من أجل الذهاب لإنهاء الصراع في عملية سلمية وبالتالي اتخذ قرارا سياسيا للتراجع عن قرار جنائي من أجل منح فرصة للسلام.

وبعد إعلان الإدارة الأمريكية رفع اسم الحوثي من قوائم الإرهاب، استمر قادة الميليشيا الإرهابية مطلوبين دوليين بتهمة الإرهاب، وكان رد الانقلابيين على هذا القرار مزيدا من التصعيد في مأرب والهجمات الإرهابية على الأعيان المدنية في المملكة.

وهنا تولد سياق للمسار السياسي المستقبلي واضح الملامح يؤكد رفض الميليشيات الحوثية الفرصة الأخيرة للسلام، وبعد مزيد من التصعيد الحوثي وتكرار الهجمات الإرهابية حدثت إدانة واسعة من المجتمع الدولي، أبرزها البيان الأوروبي الرباعي من «فرنسا وإيطاليا وبريطانيا وألمانيا» وانضمت إليه الولايات المتحدة لإقامة «حجة» ضد الحوثيين، بعد ذلك اتضح جليا أن الميليشيات أمام مفترق طرق إما رفع السلاح ووقف الحرب وقبول شروط السلام؛ أو الاستمرار في الحرب، كما تطلب الموقف إسكات الأصوات التي تؤيد مؤامرة الحوثي وتتخذ من الملف الإنساني ذريعة لإطالة أمد الحرب، وكان من الضرورة وضع الجميع أمام مسؤولياته في ظل تدهور الأزمة، فجاءت المبادرة السعودية كخطوة متقدمة لإنهاء الصراع بوضع خيارين لا ثالث لهما، إما أن تذهب ميليشيات الحوثي إلى عملية سلمية جادة تفضي لإنهاء الصراع وإحلال سلام مستدام في اليمن يقوم على فك ارتباطهم بنظام الملالي في إيران، أو أن تذهب المملكة والتحالف العربي بدعم دولي لإنهاء الصراع بالقوة المسلحة، هذا هو سياق المبادرة السعودية التي تعد الحل الأمثل للأزمة اليمنية في الوقت الراهن.



- كيف أسهم التحالف العربي بقيادة المملكة بوقف العنف ؟

المبادرة السعودية كشفت بما لا يدع مجالا للشك حقيقة ما تريده المملكة والتحالف العربي من اليمن، والمتمثل في وقف العنف والاقتتال لاستقرار البلد الذي يعد جزءا من أمن المنطقة، والذي ينظر إلى المعطيات الاقتصادية وإستراتيجية 2030 يجد رغبة المملكة في صنع الاستقرار وخفض منسوب التوتر.

وعندما حدث تدخل عسكري من دول التحالف العربي في اليمن فإن الهدف كان مواجهة تحدٍّ كبير فرضته ميليشيات انقلابية باستخدام القوة كأداة من أدوات السياسة.

وعندما انطلقت «عاصفة الحزم» في 26 مارس 2015 لم تكن رغبة في الحرب، وإنما استخدام القوة لحماية الانتقال السياسي في اليمن، وأيضا حماية شرعية انتخاب الرئيس عبد ربه منصور هادي، فضلا عن حماية شرعية التوافق التي جاءت بها مخرجات الحوار الوطني، وشرعية التصالح التي أثمرت عنها المبادرة الخليجية، والشرعية الدولية المتمثلة في قرارات مجلس الأمن.

وعندما انقلبت الميليشيات الحوثية على «الشرعية» بكافة أشكالها كان لزاما استخدام القوة كأداة من أدوات السياسة، كما هو واضح في الفكر السياسي الحديث لحماية الانتقال السياسي وحماية السلم، واستخدام القوة لتأسيس السلم ليس بدعة للتحالف العربي، وإنما مجلس الأمن الذي تأسس لحماية السلم والأمن الدوليين قام على فلسفة استخدام القوة لحماية السلام، والبند السابع واحدة من أهم ركائز مجلس الأمن التي يوظفها هو قائم على ذلك.

لذا فإن المقارنة بين تدخل التحالف العربي في اليمن وبين ميليشيات إرهابية منقلبة على كافة الثوابت والشرعيات هي مقارنة ظالمة ومن يتحدث عنها يفتقد لرؤية عميقة في قراءة المشهد اليمني.

وبرأيي أن موقف المجتمع الدولي ثابت منذ بداية الأزمة ولم يتغير كثيرا إذ أصدر مجلس الأمن 12 قرارا إضافة إلى جلسات كثيرة تصب في أن ميليشيات الحوثي انقلابية ويجب أن تسلم السلاح، إضافة إلى التوصية بفرض عقوبات والتضييق عليها لكن على الصعيد الميداني يضرب الحوثي بهذه القرارات عرض الحائط ويمارس الإرهاب بكافة أشكاله.

- لماذا الصمت الدولي على انتهاكات الحوثي باليمن التي أدانها العالم ؟

يجب أن ندرك أن هناك «حالة فصام» بين إرادة المجتمع الدولي المتمثلة في قرارات مجلس الأمن، وما بين سلوك مكاتب الأمم المتحدة المفترض أن تحقق الإرادة الدولية.

للأسف الشديد مكاتب الأمم المتحدة في اليمن مخترقة من شبكات وعناصر خبيثة تدعم الحوثيين وهذا ينعكس على القرارات التي تصب في مصلحة الميليشيات الانقلابية، على سبيل المثال والحصر كان هناك تغطية وتعتيم من مكاتب الأمم المتحدة على انتهاكات الحوثي ضد المرأة، لكن مؤخرا تم الكشف عنها واتضحت التجاوزات في السجون والمعتقلات الحوثية وأدرج البعض كمطلوبين للمحاكم.

كما اتضح أن برنامج الغذاء العالمي في اليمن تواطأ مع الحوثيين، وهناك سفينة تابعة له في 2016 قبض عليها تهرب أسلحة للميليشيات، هناك فساد أيضا داخل برنامج الغذاء العالمي بتحويل المساعدات والمواد الإغاثية المخصصة لأبناء الشعب اليمني لدعم الانقلابيين وعائلاتهم.

لكن عندما اتضحت الصورة قال المدير التنفيذي لبرنامج الأغذية العالمي ديفيد بيزلي: إن الحوثيين يسرقون الطعام من أفواه الجائعين، وأكد وجود أدلة على استيلائهم على شحنات الإغاثة، كما طالب البرنامج التابع للأمم المتحدة، بوضع حد فوري للتلاعب في توزيع مساعدات الإغاثة الإنسانية في اليمن بعد الكشف عن أدلة تثبت حدوث هذه الممارسات في العاصمة صنعاء، وأجزاء أخرى من البلاد، خاضعة لسيطرة الانقلابيين، فالاختراقات داخل المنظمات والجهات الدولية في اليمن إما من شبكات وراءها إيران وعناصر ميليشيات الحوثي أو شبكات من اليسار الديمقراطي الغربي.



- هل حكومة الكفاءات قادرة على لم الشمل والبدء في مسار ديمقراطي جديد؟

حكومة د. معين عبدالملك تواجه تحديات كبيرة، وعندما نبدأ في تقييم عمل حكومة الكفاءات لا يجب أن ننسي الظروف والمعطيات الحالية، الحوثيون جرفوا موارد الدولة واستولوا عليها، ومركزية الدولة في العاصمة صنعاء، ما يعني أن الميليشيات الانقلابية وضعت أياديها بقوة على المؤسسات الحكومية والرسمية والبنى التحتية وهذا يتطلب جهدا كبيرا من حكومة الكفاءات، وهذا ليس التحدي الوحيد، وبحسب بيان للحكومة، هناك تغول ومراكز نفوذ من جماعات أخرى اخترقت هياكل الشرعية تشن حربا خفية لا تقل عن دور الحوثيين لإفشال الحكومة، لذلك عندما نقيم أداءها لابد من تقييم الإنجازات مع التحديات، هناك إرادة كبيرة من الحكومة لتنفيذ «اتفاق الرياض»، لكن هناك تحديات كبيرة يجب تفهمها وإعطاء الحكومة فرصة للقيام بواجباتها.

- هل لا يزال «اتفاق الرياض» نقطة الضوء للسلام في اليمن؟

هناك كلمة شهيرة لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز عندما قال: إن «اتفاق الرياض» خطوة لتأسيس سلام لليمن عموما، ويبدو أنها تحدد مسارات تتجه لتأسيس سلام حقيقي.

وقد حققت الدبلوماسية السعودية نجاحا كبيرا في إنجاز «اتفاق الرياض» لملمة المخاطر المحدقة التي تفشل معركة التحرير، وكان اليمن على حافة السقوط في سلسلة صراعات وتشظٍّ ونزاعات متعاقبة، وكان لحكمة وحنكة المسؤولين السعوديين الدور الأكبر في وقف هذا الانقسام، اليمنيون يدركون الجهود الكبيرة للمملكة والعمل الكبير لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز ولصاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان ولي العهد في سبيل إعادة الأمن والاستقرار لبلادهم.

- كيف يرى اليمنيون الدعم الإنساني من المملكة؟

المملكة منذ بداية الحرب أنفقت في مجال الإغاثة فقط نحو 16 مليار دولار، وفي مجال تنمية المشاريع نحو 3 مليارات دولار، وتعد المملكة الداعم الأول لتمويلات الأمم المتحدة والوكالات الدولية، كل هذا بخلاف ودائع في البنك المركزي اليمني بقيمة أكثر من 2 مليار دولار لدعم العملة وميزان المدفوعات وتأمين وصول المواد الغذائية لأبناء الشعب اليمني المتضررين من ويلات الحرب، ومع بدء العمليات العسكرية للتحالف العربي أطلقت المملكة منظومة عمليات إنسانية موازية لتقليل آثار الحرب التي لا تريدها من الأساس وتؤكد مواقفها دوما رغبتها في السلام لكن للأسف مواقف الحوثي تصب دوما في خانة التصعيد.

- ما أهم سيناريوهات حل الأزمة اليمنية بعد المبادرة السعودية ؟

على امتداد التاريخ الحديث هناك نماذج لإنهاء الصراع، منها نموذج فرض شروط المنتصر، وحدث مع النازية في الحرب العالمية الثانية وأثبت نجاحه ولكن فاتورة الدم كانت باهظة، وهناك نموذج باستخدام الضغط العسكري المسلح إلى درجة معينة ثم يضعف طرف ويقبل بالحوار وهو راضخ لإملاءات السلام، أما النموذج الثالث فهو الحروب المنسية طويلة الأمد، وأرى اليمن يذهب إلى النموذج الثاني.

والتحالف يطبق إستراتيجية استنزاف الحوثي بفاتورة دم قليلة لإرضاخ الميليشيات على تسليم السلاح، وفك العلاقة مع إيران ووقف الحرب في اليمن، وأتوقع استمرار الضغط العسكري بشكل أقوى خصوصا بعد تعنت الانقلابيين وتفويتهم فرصة السلام عبر المبادرة السعودية، وسيكون هناك دعم دولي كبير للتحالف لإنهاء الصراع في اليمن، وما يعزز هذه الفرضية إعلان بريطانيا عن إرسال قوات لليمن.

كما أعلنت واشنطن دعم المملكة في حقها بالدفاع عن أراضيها ضد الاعتداءات الحوثية، ما يؤكد أنه في حال عدم رضوخ الحوثي لدعوات السلام قد يحدث إسناد دولي للتحالف لإنهاء الأزمة سريعا.

أيضا الموقف الأمريكي سيكون أكثر قوة بممارسة الضغط الاقتصادي على الحوثي وفرض عقوبات وتجميد أرصدة وإعادة وضع الميليشيات على لوائح الإرهاب والذي من المتوقع اتخاذه بقرار من مجلس الأمن.

وسوف تطلق عمليات عسكرية واسعة وفقا لقرارات دولية، كما حدث مع تنظيم «داعش» الإرهابي الذي تمت ملاحقته حتى خرج من سوريا، علاوة على أن هناك موقفا دوليا يتبلور بضرورة قصقصة أجنحة إيران بالمنطقة.
المزيد من المقالات
x