العناد السياسي يشل لبنان السائر في طريق الانهيار

تسارع الوتيرة سيغذي الفوضى.. والتحالفات الخارجية تعقد المشهد

العناد السياسي يشل لبنان السائر في طريق الانهيار

الاثنين ٢٩ / ٠٣ / ٢٠٢١
انقضى 18 شهرا منذ أدت احتجاجات شعبية على النخبة السياسية في لبنان إلى انهيار الحكومة القائمة آنذاك وما يقرب من ثمانية أشهر أخرى منذ دمر انفجار هائل مرفأ بيروت وأطاح بالحكومة، التي تولت تسيير الدفة بعدها.

ومنذ ذلك الحين، فقدت العملة اللبنانية


90 % من قيمتها ودفع التضخم أكثر من نصف سكان البلاد دون حد الفقر، وتخلف لبنان عن سداد ديونه، وأخذت البنوك من الإجراءات ما كاد يحول بين زبائنها وودائعهم الدولارية.

وشاعت مشاهد المشاجرات بين المتسوقين على السلع الشحيحة وقيام المحتجين بحرق الإطارات لسد الطرق وإغلاق أبواب مئات المحال والأنشطة.

وتحولت بيروت من مدينة نابضة بالحياة إلى مدينة أشباح يلفها ظلام مخيف بينما يحذر وزير الطاقة في الحكومة المستقيلة من أن انقطاع الكهرباء بالكامل يلوح في الأفق مع اقتراب الوقود المستخدم في توليد الكهرباء من النفاد.

انهيار كامل

غير أنه في الوقت الذي يندفع فيه لبنان صوب انهيار كامل في أسوأ أزمة يشهدها منذ الحرب الأهلية (1975-1990)، عجز الساسة المتشاحنون فيما بينهم عن تشكيل حكومة أو أنهم لا يرغبون في ذلك.

وقال سعد الحريري، الذي شغل منصب رئيس الوزراء ثلاث مرات وكلفه مجلس النواب بتشكيل حكومة جديدة، بعد خروجه من اجتماعه الثامن عشر مع الرئيس ميشال عون هذا الأسبوع.. «إن حزب عون الذي يقوده جبران باسيل صهر الرئيس يريد إملاء مَنْ يشغل مقاعد مجلس الوزراء وأن يكون له حق النقض (الفيتو) على القرارات».

وقال مصدر حكومي «اعتبارا من اليوم عليك تلبية شروط جبران باسيل، فهو يمسك بقلم الرئيس».

وكان سعد الحريري، قد دعا إلى حكومة خبراء عليها أن تنفذ الإصلاحات، التي يطالب بها صندوق النقد الدولي والدول المانحة مثل الولايات المتحدة وفرنسا منذ فترة طويلة.

ويحظى الحريري بدعم حركة أمل بقيادة نبيه بري رئيس مجلس النواب وآخرين.

سطوة حزب الله

ولولا سطوة جماعة حزب الله المدعومة من إيران، التي تهيمن على المسرح السياسي اللبناني وتدعم رئاسة عون لبدا الأمر وكأنه خلاف طائفي على اقتسام كعكة نظام المحسوبية اللبناني الآخذة في الانكماش.

ومع وجود إدارة جديدة في واشنطن تعيد تقييم السياسة الأمريكية إزاء إيران، بدأ ميزان القوى في المنطقة يتحول. وفي الوقت الحالي، يبدو أن حزب الله غير راغب في مساندة حكومة جديدة فيما قد يبدو وكأنه يقدم تنازلا لخصومه مثل الحريري.

ورغم أن حزب الله يقر بالحاجة لتشكيل حكومة، فهو ليس على استعداد للضغط على عون والمجازفة بتحالفه مع حزبه المسيحي الكبير.

الاقتصاد ينكمش

أكثر السيناريوهات تفاؤلا هو أن تتشكل حكومة قادرة على استعادة الثقة على الصعيدين المحلي والدولي، وتنفيذ الإصلاحات التي طالب بها المقرضون الدوليون مثل إصلاح قطاع الكهرباء، الذي يعاني من الهدر، والتدقيق الجنائي في حسابات مصرف لبنان المركزي، وإعادة هيكلة القطاع العام المتضخم.

وقال مصدر مسؤول رفيع لرويترز «الكل يعلم ما هو المطلوب من إصلاحات مالية ونقدية».

أما في السيناريو المتشائم، فسيحدث انهيار آخر في الليرة اللبنانية والنمو الاقتصادي المتهاوي، الذي قدّره صندوق النقد الدولي بسالب 25 % من الناتج المحلي الإجمالي في العام الماضي، وقدّره البنك الدولي بسالب 19 % من الناتج.

وقال المصدر إن الاقتصاد ينكمش بوتيرة سريعة لدرجة يصعب معها قياسه بدقة غير أنه من المنتظر بناء على الاتجاهات الحالية أن يكون الانكماش هذا العام في حدود عشرة في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.

نفاد الاحتياطي

وبدأت احتياطيات النقد الأجنبي الباقية، التي تقدر بنحو 16 مليار دولار، تنضب إذ ينفق لبنان حوالي 500 مليون دولار شهريا على دعم الوقود والقمح والدواء، وتنفق الدولة ما بين 75 و100 مليون دولار شهريا وما لا يقل عن 100 مليون دولار شهريا عندما يتدخل المصرف المركزي في سوق العملة.

ويميل بعض المسؤولين والدبلوماسيين والساسة للتشاؤم، وقال المصدر المسؤول «لا أعتقد أن الأطراف تريد حلا».

وأضاف «ليس مهما مَنْ هو رئيس الوزراء، فالمهم هو المعايير والتنفيذ واستعادة الثقة والمصداقية... الحكومة الحالية بدأت بإقناع الأطراف بالاتجاه إلى صندوق النقد الدولي. أي حكومة تخلفها ستضطر لفعل الأمر نفسه. فليس أمامها خيار».

وما دامت حالة الشلل مستمرة، فمن الصعب تقدير مدى التدهور، الذي يمكن أن يصل إليه الوضع.

وقال دان القزي الرئيس التنفيذي السابق لبنك ستاندرد تشارترد في لبنان إنه من المحتمل أن يتطور الوضع إلى انهيار آخر للعملة وتوقف كل الوظائف الأساسية للحكومة وانتشار الفوضى.

وأضاف «إذا استمر بنا الحال على هذا المنوال... فستضيع السيطرة بالكامل على المجتمع. وهذا يعني أن تسير في طريق ويمكن لشخص ما معه سلاح أن يوقفك ويقتلك ويأخذ سيارتك وأموالك وزوجتك». وقال نبيل بومنصف نائب رئيس تحرير صحيفة النهار اليومية «لا أرى أي حلول. أرى أزمة مفتوحة» على كل الاحتمالات.

عون يعطل

رغم أن الحريري يحمل مطالب عون مسؤولية تعطيل التشكيل الحكومي فقد أصر الرئيس حتى الآن على موقفه.

وتنقل المصادر، التي تقابل عون عنه قوله إنه ليس مسؤولا عن الأزمة المالية إذ إن السلطة في أغلب فترات العقود الثلاثة الأخيرة كانت في أيدي الحريري ووالده وبري. ويعتقد الرئيس أن عليهم هم أن يقدموا تنازلات.

وتقول المصادر إن موقف عون ازداد تصلبا منذ فرضت واشنطن عقوبات على صهره باسيل، الذي يؤهله عون لكي ينافس على منصب الرئيس.

وقال زائر «هناك تغيير كامل. فهو ليس مستعدا لتقديم أي تنازلات على الإطلاق».

وتحول حجم الخسائر المالية والتدقيق المزمع في حسابات الدولة إلى نقطة خلاف في لبنان العام الماضي الأمر الذي أدى إلى توقف المحادثات مع صندوق النقد إذ نسف كبار المصرفيين والنواب خطة الإنعاش، التي طرحتها الحكومة المستقيلة.

وأوضح المانحون الغربيون أنهم لن يتدخلوا لإقالة لبنان من عثرته دون إصلاحات لمعالجة الفساد المتجذر، والديون الهائلة، وإحياء المحادثات مع صندوق النقد.
المزيد من المقالات
x