محاكمة البشير التحدي الأكبر أمام حكومة السودان

محاكمة البشير التحدي الأكبر أمام حكومة السودان

الاثنين ٢٢ / ٠٣ / ٢٠٢١
كانت المطالبة بتحقيق العدالة دافعا رئيسيا وراء ثورة ديسمبر 2018 في السودان، التي أطاحت بالرئيس السابق عمر البشير بعد قرابة ثلاثة عقود قضاها في السلطة. وأصبح ضمان المساءلة الآن أحد أكبر التحديات، التي تواجه الحكومة الانتقالية التي حلت محله.

وقال أحمد سليمان، الباحث ببرنامج أفريقيا بالمعهد الملكي للشؤون الدولية البريطاني (تشاتام هاوس)، في تقرير نشره المعهد، إن الفظائع التي ارتكبت في ظل نظام البشير موثقة على نحو جيد بالفعل، مثل مقتل مئات الآلاف تشريد الملايين في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق.


وأحال مجلس الأمن الدولي قضية دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية في عام 2005، وصدرت أوامر توقيف بحق البشير وأربعة آخرين، واستسلم أحدهم، وهو القائد العسكري علي كوشيب، في عام 2020 وهو الآن في لاهاي. ولم يتم تسليم الآخرين بعد للمحكمة الجنائية الدولية رغم وجود ثلاثة منهم قيد الاحتجاز لدى الحكومة.

وتم تحقيق تقدم تاريخي بتوقيع اتفاقية جوبا للسلام -وتم دمجها الآن في الدستور- حيث تعهدت فيها الحكومة بالتعاون الكامل، وغير المحدود، مع المحكمة الجنائية الدولية، بما في ذلك تسهيل مثول المطلوبين أمام المحاكمة. وفي أعقاب زيارة فاتو بنسودا، المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية، للخرطوم، وقّعت الحكومة مذكرة تفاهم مع المحكمة في فبراير 2021 بشأن التعاون في قضية كوشيب.

واعتبر سليمان أن التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية هو مجرد جزء من عملية عدالة انتقالية شاملة مطلوبة لعلاج الفظائع، التي ارتكبت قبل الثورة، وأثنائها وبعدها. ومن المتوقع أن يتم قريبا سن قانون لتأسيس لجنة العدالة الانتقالية، التي ستقود المشاورات الوطنية لتقييم ما تعتبره المجتمعات المختلفة في السودان إنصافا لما ارتكب في الماضي من جرائم، وكيفية تحقيق ذلك.

كما تنص اتفاقية جوبا للسلام على إنشاء محكمة خاصة للجرائم التي ارتكبت في دارفور، تتألف من قضاة سودانيين يعملون بموجب القانون الجنائي السوداني والدولي، التي يمكنها محاكمة أي مجرم خارج اختصاص المحكمة الجنائية الدولية. ومن المتوقع أيضا تشكيل لجنة الحقيقة والعدالة، بالإضافة لاستخدام آليات العدالة التقليدية.

وأشار سليمان في تقريره إلى أن المحامين السودانيين سيحتاجون إلى تدريب للتعامل مع الجرائم الدولية، ولا توجد حتى الآن ترتيبات لحماية الضحايا والشهود في السودان وهو ما يعرقل أيضا إجراء المحاكمات محليا، خاصة في ظل بقاء عناصر من النظام السابق ضمن الهياكل الأمنية على المستويين الوطني والمحلي.

وقد تكون السياسة هي أهم تحدٍ أمام تسليم المتهمين للمحكمة الجنائية الدولية في لاهاي. وهناك توازن دقيق بين العسكريين والمدنيين والحركات المسلحة في الحكومة الانتقالية بعد إعادة تشكيلها بتفويض من اتفاقية جوبا للسلام في شباط/‏‏ فبراير 2021، التي جلبت ممثلين من المناطق المتضررة من الصراع في السودان إلى مناصب رئيسية.

ومن المرجح أن تطالب الأصوات الإقليمية بأن تظل العدالة والمساءلة على رأس جدول الأعمال، في حين يتعين تعزيز الرقابة بمجرد إنشاء الجمعية التشريعية. لكن المكون العسكري القوي في الحكومة قد يقف ضد ذلك، على أساس السيادة الوطنية، أو بسبب المخاوف بشأن ما يتمتع به من حصانة، أو بسبب الضغط من العناصر الإسلامية، التي لا تزال مترسخة في الجيش والأجهزة الأمنية.

ويعد التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية جزءا مهما من تنفيذ اتفاقية جوبا للسلام وإعادة التواصل مع المجتمع الدولي. ومن المتوقع أن تزور بنسودا دارفور في نيسان/‏‏أبريل المقبل، وقد أدى هذا الانخراط إلى زيادة التوقعات ببدء تحقيق العدالة والمساءلة لصالح ضحايا الجرائم هناك، التي وقع بعضها قبل ما يقرب من عقدين من الزمن.

واختتم سليمان تقريره بالقول إنه يجب على قادة السودان الجدد إبقاء آراء وتوقعات أولئك، الذين عانوا في دارفور على رأس مداولاتهم، والعمل وفقا لمبدأ أن «تأجيل العدالة إنكار للعدالة». ولكن لتحقيق العدالة، فإن الخيار العملي والأكثر ملاءمة هو تسليم جميع المشتبه بهم إلى المحكمة الجنائية الدولية؛ حيث إن هذا سيظهر للمواطنين السودانيين أن الحكومة الانتقالية صادقة في وعودها بالتعامل مع موروثات عهد البشير.
المزيد من المقالات
x