بينما انشغل عنها العالم.. سوريا تعيش أحلك لحظاتها

مطالب 2011 «تائهة» وسط صخب من النزاعات

بينما انشغل عنها العالم.. سوريا تعيش أحلك لحظاتها

الخميس ١٨ / ٠٣ / ٢٠٢١
طوال عشر سنوات منذ خروج أعداد كبيرة من السوريين في مظاهرات مطالبة بالخبز والحرية أملا في ظروف حياتية أفضل، انزلقت البلاد إلى هاوية صراع داخلي مسلح متعدد الجوانب، وبات النزاع معقدا خاصة مع تدخل أطراف دولية إلى جانب جماعات مسلحة وتنظيمات إرهابية.

وفي ظل تلك الظروف تظل مطالب السوريين التي نادوا بها في 2011، تائهة وسط ذلك الصخب من النزاعات.


وتقول الباحثة والصحفية السورية لينا سنجاب، في تقرير نشره المعهد الملكي للشؤون الدولية البريطاني «تشاتام هاوس»: إنه عندما كتب الباحث والصحفي البريطاني آلان جورج كتابه الذي حمل عنوان «سوريا: لا خبز ولا حرية» في 2003 بعد وفاة حافظ الأسد، لم يكن بوسعه أن يعرف أن هذا العنوان سيلخص تماما الوضع هناك اليوم، فبعد عشر سنوات من بدء الانتفاضة، أصبح الوضع في سوريا أسوأ من أي وقت مضى، بينما لا يعيره العالم أي اهتمام.

وتضيف: «إن السوريين يعانون للحصول على حصصهم من الخبز، فقد أصدر النظام بطاقات ذكية تسمح للمواطنين بشراء الخبز والوقود بأسعار مدعّمة، ويمكن للشخص أن ينتظر في طابور لمدة ثماني ساعات في المتوسط للحصول على حصته اليومية ونحو 48 ساعة لملء السيارة بالوقود».

خط الفقر

وتقول لينا سنجاب: عندما زرتُ دمشق التي تسيطر عليها حكومة الأسد في أواخر 2020، كانت الجملة التي سمعتها مرارا هي «هذا هو أسوأ عام واجهناه منذ بدء الانتفاضة»، وتشتكي الطبقة الوسطى التي تشهد تراجعا من أنه «خلال القصف، لم نشعر بالإذلال للحصول على الطعام»، ووفقا لمنظمة الصحة العالمية، تركت الحرب ما يقرب من 90% من السكان تحت خط الفقر.

ومنذ 2011، انهارت قيمة الليرة السورية بشكل كبير، حيث يعادل الدولار الواحد ما يصل إلى أربعة آلاف في السوق السوداء اليوم، مقارنة بـ 50 ليرة في 2011، ما يعني أن متوسط راتب الموظف الحكومي السوري يكفي لشراء كيلوجرام واحد فقط من اللحم.

وفي حين أن معظم السوريين حاولوا خفض نفقاتهم عن طريق شراء الضروريات فقط، فإنه حتى الأساسيات أصبحت بعيدة المنال بالنسبة للكثيرين، وبالطبع، يحدث كل هذا على خلفية جائحة فيروس كورونا، وصحيح أنها أثرت في الاقتصادات في أنحاء العالم، إلا أنها في سوريا جعلت الوضع يتحول من سيئ إلى كارثي.

وتضيف سنجاب إنه في دمشق، نادرا ما يرتدي أحد كمامة واقية، وهذا نتاج مزيج من إرهاق الحرب والشعور بالعجز، ويكافح الأشخاص للحصول على ما يكفي من طعام للبقاء على قيد الحياة، دون الاهتمام كثيرا بالفيروس، وأصبحت شائعة مشاهد الأشخاص الذين يبحثون عن ما يتم الاستغناء عنه في أسواق الخضار أو يبحثون في صناديق القمامة عن شيء يمكن أن يسد رمقهم.

حكم «المافيا»

وتقول سنجاب: إن كل شيء ثار عليه السوريون عام 2011 أصبح أسوأ بكثير، فالاقتصاد في حالة انهيار، و«تحول حكم الحزب الواحد إلى حكم على غرار المافيا مع العديد من الفصائل المختلفة»، وفي الماضي كان الأشخاص يقولون «إن لكل سوري مسؤول أمن يتولى حمايته، لكن الآن لكل سوري أيضا شخص يسرق خبزه وكرامته وحياته».

وتوضح أنه «حتى الموالين للنظام الذين يتجرأون على الشكوى من الأوضاع الجارية، يتم عقابهم والزج بهم في السجن»، وأشارت إلى أنه خلال الأسابيع القلائل الماضية، اعتقل 150 شخصا على الأقل منهم.

وتقول حكومة الأسد: إنها انتصرت في الحرب، ويتفق معها بعض المراقبين الخارجيين، وهو أمر من الصعب تصوره في رأي سنجاب التي تصف «انتصار» الأسد بأنه «ليس أكثر من كون النظام يحكم على حطام سوريا».

وتشير سنجاب إلى أنه بينما يقول النظام «إنه يرغب في استعادة السيادة على البلاد، فإن الواقع هو أن سوريا بلد منقسم فيه النفوذ بين النظام والولايات المتحدة وروسيا وإيران وتركيا وكذلك الجماعات الكردية والتنظيمات الإرهابية، وكل طرف من تلك الأطراف يسيطر على جزء من البلاد، ومن ثم يتحكمون في مصير السوريين الذين لا رأي لهم في حاضرهم أو مستقبلهم.

وتقول: «إن النظام الذي يعاني ضائقة مالية يحاول الآن انتزاع ما يستطيع الحصول عليه من مواطنيه، حتى أولئك الذين فروا من البلاد، فكل سوري يجب أن يدفع 100 دولار نقدا لدى دخوله البلاد، وأي شخص لم يخدم في الجيش أو لا يرغب في ذلك، عليه أن يدفع تعويضا يصل إلى سبعة آلاف دولار ليتم إعفاؤه من الخدمة».

مصادرة ممتلكات

وفي الحالات التي لا يرغب فيها السوريون في الخارج في العودة ويرفضون الدفع أو لا يستطيعون ذلك، تصادر السلطات أي ممتلكات تخص عائلاتهم داخل البلاد وأي وثائق قانونية قد يحتاجونها، مثل جوازات السفر، إلى أن يتم السداد، مما يضيف إلى المعاناة الهائلة بالفعل لتسعة ملايين نازح سوري في الداخل وستة ملايين فروا ولجأوا إلى جميع أنحاء العالم.

وتقول سنجاب: إنه في ظل هذه الصورة الظلامية، لا توجد بارقة ضوء في نهاية النفق، حيث لا يوجد أمل لخلاص سوري من الداخل، كما لا توجد إرادة دولية لإيجاد حل أو حتى قوة لتنفيذ القرارات التي وافقت عليها الأمم المتحدة بالفعل.

كما أن الوضع الإقليمي قد تغير أيضا، وسوريا أصبحت الآن أقل أولوية بالنسبة للجهات الفاعلة الإقليمية والعالم مشغول أيضا بمشاكله الخاصة، ومن المرجح أن تركز الإدارة الأمريكية الجديدة، على سبيل المثال، بشكل أكبر على الشؤون الداخلية والأولويات الأخرى في الشرق الأوسط، مثل إيران.

وبينما يكافح العالم الآثار الاجتماعية والاقتصادية لفيروس كورونا، يستعد بشار الأسد للترشح لولاية رئاسية ثالثة تبقيه في السلطة لمدة سبع سنوات أخرى.

وتختتم سنجاب تقريرها بالقول: إن هناك جيلا من الأطفال ولدوا خلال الحرب، بعضهم ولد في سوريا والبعض الآخر في أوروبا وفي مخيمات اللاجئين، وما لم يكن هناك التزام دولي متجدد، فإن «التغيير الحقيقي هناك قد لا يحدث وهو على قيد الحياة».
المزيد من المقالات
x