وكلاء إيران على شفا مواجهة كبرى بعد اغتيال سليماني

النهج الأمريكي التقليدي غير كاف لمواجهة طهران في العراق

وكلاء إيران على شفا مواجهة كبرى بعد اغتيال سليماني

الثلاثاء ٠٢ / ٠٣ / ٢٠٢١
سلط موقع «أوراسيا ريفيو» الضوء على تداعيات اغتيال قائد فيلق القدس قاسم سليماني على شبكة وكلاء إيران في العراق خلال العام الماضي.

وبحسب مقال لـ«رانج علاء الدين»، وهو زميل زائر بمركز كارنيغي ومدير مبادرة الحروب بالوكالة، فإن العراق هو أول الساحات وأكثرها إلحاحا، التي سيضطر فيها نظام الملالي في طهران إلى التعامل مع عواقب خسارة سليماني، الذي اغتالته الولايات المتحدة في يناير 2020.


وتابع يقول: لم يؤد اغتيال سليماني إلى إعادة إرساء الردع ضد النظام في طهران فحسب، ولكن أوقف توسعه الثوري، وأضاف: قد تمر سنوات قبل أن نتمكن من إجراء تقييم كامل لمدى تعافي شبكة وكلاء إيران في العراق من تلك الخسارة.

«رئة» إيران

وأردف: اليوم، يدر العراق ومؤسساته من خلال اقتصاد غير رسمي مئات الملايين من الدولارات لخزائن نظام الملالي كل شهر، لقد أدى التخريب الإيراني للهياكل الاقتصادية الرسمية وغير الرسمية في بغداد إلى جعل العراق «الرئة»، التي يتنفس من خلالها نظام الملالي حتى في خضم أزمات سياسية واقتصادية محلية غير مسبوقة.

وتابع: يستدعي اغتيال سليماني فحصًا دقيقًا لتحديد ما إذا كان يمكن تفكيك شبكة الميليشيات التوسعية، التي زرعتها إيران في العراق وأماكن أخرى على مدى السنوات الـ 15 الماضية وكيف يمكن ذلك، وأضاف: تضم هذه الشبكة مقاتلين وفاعلين اجتماعيين وثقافيين ومؤسسات تشكل مشهدًا مبنيًا على العقيدة، بما في ذلك فكرة تفوق مذهبهم ومشاعر العداء للولايات المتحدة.

وبحسب الكاتب، فإن وكلاء إيران في العراق هم نتاج كل من التاريخ والحظ المطلق، حيث تتألف شبكة الوكلاء من المقاتلين المنتشرين في جميع أنحاء البلاد من الشيعة الفقراء، وهي فئة ديموغرافية كانت على هامش المجتمع العراقي لقرون، وأردف يقول: اكتسب هؤلاء المقاتلون أهمية متزايدة عندما خرج العراق مفلساً ومدمراً من حربين كارثيتين ومكلفتين.

سلطة صدام

وأشار الكاتب إلى أن صدام حسين بينما كان يحارب للحفاظ على السلطة على بغداد والجنوب ذي الأغلبية الشيعية، قام نظام البعث، الذي يهيمن عليه السنة بتعهيد الأمن والنظام إلى جهات فاعلة مجتمعية مثل القبائل ورجال الدين.

وتابع: كان القرار الأهم لصدام هو الترويج لمحمد محمد صادق الصدر كمرجع شيعي وجعله رئيس المؤسسة الدينية الشيعية في النجف في مواجهة خيار الإجماع لآية الله علي السيستاني، ويقول: أصبح صادق الصدر زعيما مهما ومصدرا للراحة لملايين الشيعة، الذين كانوا غارقين في الفقر والقمع، حيث حشد وأشرف على شبكة موسعة قدمت خدمات اجتماعية في جميع أنحاء بغداد والجنوب الشيعي.

وأضاف: مهدت تعبئة صادق الصدر للشيعة المعوزين في العراق، وهم مجتمع لطالما تم الاستهزاء بهم كطبقة دنيا، الطريق لتحولهم إلى قاعدة انتخابية قوية وقوة سياسية، وأصبح هذا يعرف بالتيار الصدري.

ومضى يقول: بعد غزو العراق، تولى قيادة الحركة مقتدى الصدر، نجل صادق الصدر، وأسست الحركة جناحها العسكري الخاص المعروف باسم جيش المهدي، الذي لعب دورًا مركزيًا في تأجيج الصراع الطائفي المدمر في العراق، ومحاربة التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة والقوات العراقية التقليدية مثل الجيش والشرطة، والانخراط في أنشطة إجرامية.



إنتاج الميليشيات

وبحسب الكاتب، عندما بلغ الصراع في العراق ذروته بعد الحرب الأهلية عام 2006، أنتج جيش المهدي بعض الميليشيات، التي تبرز حاليًا بشكل بارز في المشهد السياسي والأمني العراقي، ومنها عصائب أهل الحق، التي تأسست باعتبارها منشقة عن التيار الصدري، بفضل الخلافات الشخصية والتنظيمية بين زعيمها، قيس الخزعلي، ومقتدى الصدر.

وأردف يقول: منذ ذلك الحين، انتقل العديد من قادة جيش المهدي إلى مجموعات ميليشيات أخرى تعمل حاليًا كجزء من منظمات أكبر، من بينها جماعات إجرامية محلية تعمل في الوقت نفسه كجزء من قوات الحشد الشعبي إلى جانب قوات الدولة العراقية.

وتابع: طورت إيران العديد من هذه الميليشيات إلى مقاتلين شبه محترفين ومنضبطين وأغنياء بالموارد، لا يعني هذا أن نفوذ إيران وسيطرتها على الميليشيات منيعة، أو أن العلاقة بين الراعي والوكيل متماسكة تمامًا أو مؤسسية، لكن ما يساعد النفوذ الإيراني على الميليشيات العراقية هو النظرة الأيديولوجية المشتركة المبنية على تفوق الشيعة والمعارضة الثورية «للإمبريالية» الغربية.

تطوير الوكلاء

وأضاف علاء الدين: كما ساعد في تطوير إيران للوكلاء في العراق شريكها الأبرز فيلق بدر، الذي أسندت إليه مسؤولية إدارة شبكة الوكلاء المنقسمة، وأردف بقوله: يشكل لواء بدر خط المواجهة لشبكة الوكالة الإيرانية في العراق، وكان بمثابة نقطة انطلاق لجهود نظام لتأسيس وتمكين صعود الميليشيات القوية الأخرى، التي تشمل كتائب حزب الله التي تشكلت بعد 2003، و«سيد الشهداء» التي تشكلت في 2013.

وأضاف: على الرغم من إدراجه في النظام السياسي بعد 2003، احتفظ فيلق بدر بقدرته على العمل بشكل مستقل، على سبيل المثال، يتعامل فيلق بدر مع الجهات الفاعلة الدولية ويتعاون عسكريًا مع الولايات المتحدة، لكنه يظهر أيضًا علاقات قوية مع إيران.

لكن، بحسب الكاتب، فإن الخسائر الفادحة التي تعرضت لها الميليشيات المتمردة في 2008 خلال عملية «الفرسان»، التي نفذتها القوات الأمريكية والعراقية، أجبرت العديد من قادتها على النزوح في إيران.

وتابع: لكن بعد انسحاب الولايات المتحدة من العراق 2011، انقلب هذا الوضع رأساً على عقب.

ومضى يقول: عاد المئات من القادة المتمرسين إلى العراق من إيران وأعادوا تعبئة مقاتليهم وأنصارهم لملء الفراغ، الذي خلفه الانسحاب، وأصبحت الميليشيات المتمردة مثل عصائب أهل الحق تتمتع بصلاحية متزايدة، بينما اكتسبت إيران ورجال مثل سليماني يدًا طليقة.

المالكي والخصوم

وأشار الكاتب في مقاله إلى أن ذلك الوضع تسبب في نتائج سياسية أخرى، أبرزها قمع رئيس الوزراء العراقي السابق، نوري المالكي، لخصومه العرب السنة.

وتابع: وجه المالكي وائتلافه ضربة مدمرة للعلاقات الطائفية في العراق، مؤكدا بشكل فعال التصورات السنية العربية للتهميش، ومهدت قرارات المالكي وسوء إدارة البلاد الطريق للظروف الاجتماعية والسياسية، التي مكنت من صعود تنظيم «داعش» في 2014.

وأردف: في نهاية المطاف، أدى الحكم الطائفي وسوء الإدارة للمالكي إلى أكبر كارثة شهدتها البلاد في تاريخها، وتابع: في يونيو 2014، انهار الجيش العراقي بعد أن استولى تنظيم «داعش» على الموصل وأعلن الخلافة المزعومة، وهو ما أتاح لوكلاء إيران فرصة أكبر.

ولفت إلى أن تأسيس الحشد الشعبي من الميليشيات ردا على هذا الانهيار، قدم لإيران ووكلائها فرصة أخرى لاختراق هياكل الحكم الوطنية والمحلية في العراق، مضيفا: انتهز سليماني هذه الفرصة على النحو الواجب.

وبحسب الكاتب، تحركت قوات الحشد الشعبي للتنافس على السلطة السياسية في الانتخابات البرلمانية العراقية لعام 2018، ولفت إلى أن فوز قائمتها بالمركز الثاني أضاف إليها نصرا سياسيا بجانب الموارد السياسية والاقتصادية الرسمية وغير الرسمية، التي كانت تحت سيطرتها.



إدارة سليماني

وتابع المقال: في الواقع، لم يكن سليماني ولا كان بإمكانه أن يدير شبكة الميليشيات الشيعية الإيرانية في العراق وحده.

ونوه بأنه كان يديرها عبر أبو مهدي المهندس، الذي لعب دورا حاسمًا في تعزيز نفوذ إيران على النظام السياسي العراقي، كرئيس لقوات الحشد الشعبي والميليشيا القوية كتائب حزب الله.

ولفت إلى أنه في خضم القيود والاضطرابات السياسية المتصاعدة، التي نتجت عن «حملة الضغط الأقصى» الأمريكية ضد النظام الإيراني، زادت توتر العلاقات الداخلية داخل شبكة وكلاء إيران في العراق، وأوضح أن تلك الميليشيات تعرضت لضربة أخرى بفقدانها لسيلماني والمهندس، الشخصين اللذين كانت لديهما القدرة على إدارة تلك التوترات وصيانة شبكة الوكلاء.

وأردف يقول: ظهرت سلسلة من الانقسامات الواضحة منذ وفاتهما، وأضاف: في غضون ذلك، تتنافس كتائب حزب الله ومنظمة بدر الآن بشكل مباشر لملء الفراغ، الذي تركه المهندس.

وتابع: في منتصف مارس 2020، انسحب عدد من فصائل الحشد المتحالفة مع السيستاني، التي قاومت تقليديًا نفوذ إيران، لكنها اضطرت للعمل في إطار قوات الحشد الشعبي، التي تهيمن عليها طهران.

نفوذ سياسي

وتابع يقول: لكن انسحاب الفصائل الموالية للسيستاني من قوات الحشد الشعبي ترك الوكلاء المدعومين من إيران بغطاء ديني محدود وربما قلل من نفوذهم السياسي.

ومضى يقول: منظمة الحشد الشعبي نفسها في طريقها إلى أن تصبح منفذاً للحرس الثوري الإيراني في كل شيء ما عدا الاسم، وبدأ الرأي العام العراقي في الانقلاب عليها نتيجة تواطؤ وكلاء إيران في القمع الوحشي للمتظاهرين في الأشهر الأخيرة.

وبحسب الكاتب، قد يؤدي هذا الواقع، بمرور الوقت، إلى إجبار مقاتلين وكوادر أخرى من ذوي الرتب الدنيا في قوات الحشد الشعبي على الانسحاب من التنظيم، الأمر الذي من شأنه أن يقلل من صفوف قواتها ويحد من قدرة قيادتها المتحالفة مع إيران على المطالبة بجزء كبير من ميزانية القوات الوطنية العراقية.

وتابع يقول: بالتالي، لن تساعد هذه البيئة المتصدعة خلال الأشهر المقبلة خليفة سليماني، إسماعيل قاني، الذي لا يزال غير مُختبر، ويفتقر إلى العلاقات الطويلة الأمد مع قيادة الحشد الشعبي، وليس لديه إلمام قوي باللغة العربية.

مزايا مميزة

ومضى يقول: في حين أن هذه الشبكة ربما تعرضت للكدمات والدماء، إلا أنها لم تُهزم بعد، سيستغرق الأمر بعض الوقت حتى تتضح مؤهلات، إسماعيل قاني وقدراته الحقيقية، ولا يزال فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني يحتفظ بعدد من المزايا المميزة نسبيًا.

وبحسب الكاتب، طورت إيران في العراق نفوذًا وسيطرة لا مثيل لهما على هياكل صنع القرار الرئيسية، حيث قامت بتنمية عدد كبير من الجماعات التي تعمل بالوكالة التي تطورت إلى جهات فاعلة سياسية رئيسية تسيطر على الوزارات وتهيمن عليها، وتسيطر على مقاعد في البرلمان ولديها إمكانية الوصول إلى الميزانيات والاقتصادات المحلية، التي تقدر بمئات الملايين من الدولارات كل شهر.

وأردف يقول: بالنسبة لإيران، كانت خسارة سليماني تعني خسارة العلاقات الشخصية التي بناها على مدى عقود، وقد تمر سنوات عديدة قبل أن تتمكن إيران من استبداله، لكن من الصحيح أيضًا أن مراكز القوة الرئيسية، والطرائق التي تشكل شبكة وكلاء إيران، قادرة على العمل بتأثير مميت حتى بدون سليماني أو رعاية إيرانية مباشرة.

النجف وكربلاء

وأردف الكاتب يقول: كما تركز إيران بنفس القدر على الهيمنة على الفضاء الاجتماعي والديني داخل كليات النجف وكربلاء للتأثير على الفكر العقائدي وتأمين سيطرتها على أحد الركائز المركزية للتعبئة الشيعية، ويكتسب ذلك أهمية خاصة في خضم الرد، الذي تلقته إيران من النجف وآية الله العظمى السيستاني، الذي كان تاريخياً يكره الزحف الإيراني في العراق.

وأضاف: يشعر الكثيرون بالقلق من أن السيستاني قد يمهد الطريق لمحاولة موسعة من قبل إيران لتشكيل المشهد الاجتماعي والديني الشيعي في النجف وكربلاء.

وتابع: مع ذلك، فمن المرجح أن يستمر النفوذ الإيراني غير المرغوب فيه في مواجهة مقاومة كبيرة من الشخصيات الدينية والسياسية الشيعية في العراق لسنوات قادمة، في الوقت نفسه، فإن وكلاء إيران في العراق لديهم القدرة على تجاوز رعاتهم.
المزيد من المقالات
x