نزاع إقليم تيجراي قد يزعزع استقرار المنطقة بأكملها

نزاع إقليم تيجراي قد يزعزع استقرار المنطقة بأكملها

الاثنين ٠١ / ٠٣ / ٢٠٢١
كان من المفترض في الواقع أن تسير العملية العسكرية في إقليم تيجراي بشمال إثيوبيا على نحو سريع: الإطاحة بـ«الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي»، وفرض النظام، واستعادة توازن القوى. لكن رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد أخطأ في الحسابات. فقد انهارت الإمدادات الأساسية لملايين الناس، ولا يحصل السكان على المساعدة الكافية. ويحذر المساعدون الآن من أزمة جوع. وقد تحول الصراع مع «الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي» إلى حرب معقدة جرّت إريتريا المجاورة إليها، وتهدد بزعزعة استقرار المنطقة بأكملها، وهو ما يمكن أن يصل أثره إلى أوروبا.

جرائم حرب


وانتقدت حكومة إثيوبيا تقريرا صادرا عن منظمة العفو الدولية، زعم اقتراف جرائم حرب في بلدة «أكسوم» شمال البلاد العام الماضي، طبقا لما ذكرته وكالة «بلومبرج» للأنباء يوم السبت.

وكانت منظمة العفو الدولية قد ذكرت الجمعة أن قوات إريترية قتلت مئات من المدنيين العزل في نوفمبر الماضي، واعتمدت المنظمة في استنتاجاتها على مقابلات مع 41 من الناجين وشهود العيان.

وذكرت المنظمة في تقرير جديد أن أسوأ المعارك اندلعت في مدينة أكسوم شمالي البلاد يومي 28 و29 نوفمبر الماضي، حيث فتح الجنود النار في الشوارع وقاموا بمداهمات بين المنازل في «مذبحة قد تصل إلى مستوى جريمة ضد الإنسانية».

عمليات إعدام

وأخبر 41 ناجيا وشاهد عيان و20 شخصا على علم بالأحداث، الباحثين بحدوث عمليات إعدام خارج نطاق القضاء وقصف عشوائي ونهب واسع النطاق بعد أن شنت القوات الإثيوبية والإريترية هجوما وسيطرت على المدينة في 19 نوفمبر.

وأكد تحليل لصور التقطتها الأقمار الاصطناعية صحة التقارير وأظهر وجود مواقع دفن جماعي، وفقا لمنظمة العفو الدولية.

وقال مدير منظمة العفو في شرق وجنوب أفريقيا ديبروز موشينا: «ارتكبت القوات الإثيوبية والإريترية جرائم حرب متعددة... وقتلت القوات الإريترية بشكل منهجي مئات المدنيين بدم بارد».

وذكر رئيس مفوضية حقوق الإنسان الإثيوبية، دانيال بيكيلي ردا على التقرير إنه «يتعين أخذ نتائج منظمة العفو الدولية على محمل الجد بشكل كبير».

وشنت إثيوبيا هجوما عسكريا على تيجراي في تشرين ثان/‏نوفمبر لتقليص قوة جبهة تحرير شعب تيجراي، التي تحكم المنطقة وتنتقد الحكومة.

تفاقم الوضع

ويقول مدير منظمة «وورلد فيجن» الإغاثية في إثيوبيا، إدوارد براون: «الكثير من الناس يفرون. الكثير من الأشياء التي كانت تعمل سابقا لم تعد تعمل الآن»، مشيرا إلى أن الوضع كان هادئا من قبل بالفعل في تيجراي، وكانت هناك حياة اقتصادية نشطة، وقال: «ثم وقعت أحداث نوفمبر. كانت تلك صدمة للنظام».

في نوفمبر الماضي، أرسل آبي أحمد قوات إلى تيجراي. ومنذ توليه مهام منصبه في 2018، تصاعدت التوترات بين حكومته و«الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي». وهيمنت الجبهة على الحياة السياسة في إثيوبيا لما يقرب من 30 عاما، وحكمت بقوة حتى أجبرها آبي أحمد على الخروج. لكن في منطقة تيجراي، ظل الحزب، الذي كان جماعة متمردة في الماضي، في السلطة. لكن الوضع تفاقم عندما قاوم الحكومة المركزية في سبتمبر الماضي وأجرى انتخابات إقليمية على الرغم من جائحة كورونا.

الحاجة للمساعدات

تقول كيت وايت، مديرة مساعدات الطوارئ الطبية لتيجراي في منظمة «أطباء بلا حدود»: «تحتاج المنطقة بأكملها تقريبا إلى مساعدات غذائية»، فقد فر كثير من الناس ولم يتمكنوا من حصاد محاصيلهم. وحتى أولئك الذين لا يزال لديهم مأوى يحتاجون إلى المساعدة: فكثير منهم لا يزالون بدون كهرباء، ولا توجد مياه جارية، ولا يمكنهم الوصول إلى أموالهم بسبب البنوك المغلقة، ولا يتوافر لديهم أي اتصال بالعالم الخارجي بسبب قطع الإنترنت واتصالات الهاتف. تقول وايت إنه لا تصل حاليا مساعدات كافية تلبي احتياجات الجميع، وأضافت: «إذا لم يتم تقديم المزيد من المساعدة قريبا، فسوف يزداد الوضع سوءا».

بالإضافة إلى السكان، يعاني اللاجئون أيضا من الوضع. فقبل النزاع، كانت هناك أربعة مخيمات للاجئين في تيجراي يعيش فيها حوالي 96 ألف إريتري. وعندما بدأ القتال، اضطر عمال الإغاثة الدولية إلى مغادرة تيجراي، حسبما ذكر المتحدث باسم المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في ألمانيا، كريس ميلتسر. وأوضح ميلتسر أن المساعدات انقطعت تماما عن المخيمين الكائنين في جنوب الإقليم لمدة شهرين، حتى تمكنت فرق الإغاثة من توصيل مواد غذائية مجددا، مشيرا إلى أن الوضع في المخيمين الآخرين شمالي الإقليم غير معروف حتى الآن، موضحا أنه لم يتم السماح للمفوضية بالدخول، وقال: «نحن لا نعرف كيف حال الناس هناك».

معارك مستمرة

وفي نوفمبر الماضي، أعلنت أديس أبابا انتهاء الهجوم العسكري ضد «الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي»، ومع ذلك لا تزال المعارك مستمرة، بل وصارت أكثر تعقيدا. فبجانب الجيش الوطني والجبهة، هناك ميليشيات من إقليم أمهرة المجاور، ويشارك في النزاع الآن أيضا جنود إريتريون ومقاتلون شباب من تيجراي، حسبما أوضحت أنيته فيبر من مؤسسة العلوم والسياسة الألمانية (SWP). تقول فيبر: «نحن بعيدون عن نهاية الصراع في إثيوبيا».

ويهدد هذا الوضع بزعزعة استقرار المنطقة. فمن ناحية، انجرفت إلى الصراع إريتريا المجاورة، التي كانت إثيوبيا قد خاضت ضدها حربا دموية على الحدود. إريتريا يحكمها الرئيس السلطوي أسياس أفورقي. وقد أدت الخدمة العسكرية الشاقة هناك بالفعل إلى فرار الآلاف، من بينهم الكثير إلى ألمانيا. تقول فيبر إن الجنود الإريتريين موجودون في تيجراي بدعوة من الحكومة الإثيوبية، لكن لا سيطرة للحكومة عليهم، وأضاف: «قد يتحول الأمر أيضا إلى احتلال».

توترات إقليمية

وقد تكون آثار هذه التوترات متجاوزة للمنطقة. فالسودان وإثيوبيا دولتان محوريتان في أفريقيا. إثيوبيا التي يبلغ عدد سكانها 112 مليون نسمة وفيها مقر الاتحاد الأفريقي، والسودان الذي يمثل مفترق طرق بين أفريقيا والعالم العربي لهما تأثير كبير على التطورات الإقليمية المهمة، من الهجرة إلى أوروبا إلى مكافحة الإرهاب. لكن كلتا الدولتين تشهدان حالة من عدم الاستقرار. فبالإضافة إلى الصراع في تيجراي، يمكن أن تخرج توترات عرقية أخرى عن السيطرة. وبعد انقلاب 2019، لا يزال السودان هشا للغاية على الصعيدين السياسي والاقتصادي. تقول فيبر إنه بسبب المشاكل الاقتصادية في المنطقة، والحرب في إثيوبيا، وانتصار محتمل في النهاية للرئيس الإريتري أسياس أفورقي «لا بد نحن الأوروبيين أن نشعر بالقلق بشكل كبير».
المزيد من المقالات
x