«توعية المجتمع» أهم أدوار المثقف لنشر «حقوق الإنسان»

التعاون مع مؤسسات الدولة يضمن له الإمكانات المناسبة لتوصيل رسالته

«توعية المجتمع» أهم أدوار المثقف لنشر «حقوق الإنسان»

الثلاثاء ٢٣ / ٠٢ / ٢٠٢١
يلعب المثقف دورًا محوريًا في مجال نشر حقوق الإنسان، وقال عدد من المثقفين إن هذا الدور يتطلب تعاونًا بين المثقف والمؤسسات الثقافية بالدولة، لأن جهد المثقف كفرد معني بنشر الفكر والوعي الإنساني والمجتمعي، لا ينهض إلا في ظل المؤسسة التي تكفل له الإمكانات المادية والمعنوية، والمناخ الملائم لوصول رسالته، وأكدوا أن على كل مثقف العمل على تعزيز ثقافة حقوق الإنسان، ونشرها على مدى واسع يتواكب مع رؤية المملكة 2030، ومع رؤية القيادة الرشيدة التي تعمل على نشر ثقافة حقوق الإنسان على مستويات محلية وعالمية.

شراكة حقوقية


يقول رئيس الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان، عميد كلية الحقوق بجامعة دار العلوم، د. مفلح بن ربيعان القحطاني: العمل على التوعية بالحقوق والواجبات من قبل المثقفين والجهات المختلفة يُعد من القضايا المحورية والمهمة، والجمعية أولت موضوع نشر ثقافة حقوق الإنسان أهمية خاصة، باعتباره من الأهداف الإستراتيجية والمحورية لها، لأنه سيظل أحد المواضيع الأساسية التي تحتاج إلى مزيد من الجهد والفكر والعمل، والبحث عن الأساليب المناسبة لنشرها وتعزيزها، ليس فقط على مستوى النخب الثقافية والفكرية، بل أيضًا على مستوى المواطن العادي، من خلال الجامعات والمدارس والمعاهد والأجهزة والمصالح الحكومية والخاصة، بحيث تغدو هذه الثقافة في متناول الجميع.

وأضاف: تُعد وزارة الثقافة إحدى أهم الوسائل التي يتم من خلالها نشر الوعي بثقافة حقوق الإنسان بين كافة أصناف المجتمع، نظرًا لتأثيرها الكبير والجوهري في توجيه المجتمع وتنويره وتثقيفه، وهذا يقتضي أن يكون مَنْ يتصدى لهذه المهمة في هذا القطاع على دراية كاملة بحقوق الإنسان، وبالوسائل المناسبة لإيصالها لكل من المواطن والمسؤول، وبالتالي فإن الحاجة تدعو لإقامة بعض الدورات والندوات وورش العمل للعاملين في هذا القطاع؛ لزيادة إسهاماتهم بشكل فعال ومدروس في هذا المجال.

ولا نرى أن الأمر يقتصر فقط على خلق شراكات أو تعاون بين المؤسسات الحقوقية ووزارة الثقافة، بل على كافة مؤسسات وأجهزة الدولة أن تتعاون في عملية نشر الثقافة الحقوقية، وذلك عن طريق التوعية بالأنظمة والإجراءات التي تختص بكل جهة، لأن الوعي باللوائح والأنظمة والإجراءات الإدارية والقانونية يؤدي إلى الوعي بالحقوق والواجبات على حد سواء، الذي من شأنه أن يُشكل الثقافة الحقوقية.

سلطة الإيديولوجيات

أما أستاذ الأدب والنقد بقسم اللغة العربية وآدابها في جامعة الملك سعود بالرياض، د. هاجد الحربي، فقال: حقوق الإنسان من ملامح مجالات الحضارة الإنسانية المعاصرة، وأحد تطورات الفكر الإنساني في دينامية الوعي المعاصر، ورغم أهمية هذا المجال وقيمته الاجتماعية المثالية، فإن الوعي الذاتي بتحقيقه ومعرفة آليات تمثيله يعاني أزمة مفاهيمية إجرائية قد لا تستطيع بعض المجتمعات الإنسانية تجاوزها، والسبب أن بعض هذه المجتمعات لا تزال تعاني سلطة الإيديولوجيات والموقف الثقافي المتبلور في التنشئة الاجتماعية، ولعل المجتمع الفارسي في دولة إيران أقرب مثال على ذلك، وأيضًا بعض المؤدلجين في بعض البلاد العربية، وعطفًا على هذا التصور، فلا بد من نشر وعي حقيقي بحقوق الإنسان، يقوم على تثقيف إيجابي يقاوم كل استغلال أو اختطاف لهذه القيمة الإنسانية الحضارية، ويوجهها نحو مسارها الصحيح؛ كي لا تكون مطية لدعاة الثورات والانقسامات، أو مثيري الفتن والحروب، كما تفعل بعض الأحزاب والتنظيمات الإرهابية بالوطن العربي، وهنا يحضر دور المثقف والمفكر الوطني الواعي بواقع الأزمة في سياقها السابق؛ ليكون منارة إشعاع وسراج إنقاذ فيما يكتبه أو يقدمه عبر وسائل الإعلام المختلفة المقروءة والمسموعة والمرئية، كما أن المؤسسات الثقافية يقع عليها جزء كبير من المسؤولية تجاه نشر الوعي الحقيقي بحقوق الإنسان، ومقاومة الوعي الزائف وكشف خطورته ودوره التقويضي في تعطيل مسارات النهوض والتنمية ومواكبة ركب الحضارة الإنسانية المعاصرة.

دور المثقف

ويرى الشاعر محمد العطوي أن نشر حقوق الإنسان وترسيخها في المجتمع يبدأ من البيت في سنين العمر الأولى، وذلك بمنع تنمر الكبير على الصغير وتسلط الذكر على الأنثى بحجة أنه رجل، ثم ينتقل الدور إلى المدرسة والجامعة، بحيث يعطى الطالب حق المشاركة بإبداء الرأي والمناقشة والحوار فيما يتعلق بمحيطه.

وأضاف: المثقف عليه دور كبير بلا شك في ترسيخ قواعد حقوق الإنسان في المجتمعات، فالمؤسسات الثقافية والإعلامية جزء حيوي من كل مجتمع، وعليها تقع مسؤولية كبيرة في هذا المجال، كما أن هيئة حقوق الإنسان عليها أن تنشر رسالتها وتوصلها للعامة قبل الخاصة، وتبرز جهودها في هذا المجال إعلاميا داخليًا وخارجيًا.

تنظير مجرد

وتقول الناقدة د. خلود عبدالعزيز: لا يخفى على أحد دور المثقف العربي في تغيير واقع المجتمع ومفاهيم الإنسانية داخله، وتحرير الفكر من ربقة المكبلات الأيديولوجية التي قد تحد وتؤخر من انطلاقته وحريته، وعلى رأس ذلك يأتي نشر ثقافة حقوق الإنسان، كونها نتاج صلة مباشرة بالواقع المُعاش وقضاياه، لكن الذي يحدث للأسف هو نوع من تقهقر هذا الدور، الذي أصبح في معظم الأحوال لا يعدو دور مَنْ يراقب الأحداث ويكتفي بالفرجة والمشاهدة، ملقيًا عليها الضوء دون تقديم الحلول، أو على أقل تقدير محاولة البحث عن الحقائق.

وأضافت: تشهد الندوات والمحاضرات التي تُعنى بحقوق الإنسان قصورًا ملحوظًا في تأدية دورها المنوط بها، وزيادة فاعلية جهودها في تثقيف المجتمعات وبنائها، ومحاربة كل ما من شأنه الحض على الممارسات والسلوكيات العدائية، وبث العنف وكل صور الإيذاء البشري الناتج عن الآفات الفكرية التي تجتاح العالم اليوم، فالمجتمعات والأمم لا تُبنى إلا بإرادة حقيقية، تعمل بصدق ووعي وإخلاص، ولا يكفيها التنظير المجرد دون الشروع في التطبيق الفعلي وتفعيله إجرائيًا، وجعله واقعًا ملموسًا.

كفة واحدة

وقال القاص والناقد ساعد الخميسي: بين المثقف كشخصية إنسانية، والمؤسسة أو الجهة المعنية بالشأن الثقافي، بما في ذلك المثقف نفسه، ثمة ما يجعلهما في كفة واحدة، ألا وهي كفة تكاملية الوظيفة والدور، لأن جهد المثقف كفرد معني بنشر الفكر والوعي الإنساني والمجتمعي لا ينهض إلا في ظل المؤسسة التي تكفل له الإمكانات المادية والمعنوية، والمناخ الملائم لوصول رسالته الأدبية الثقافية التي يصبو إليها.

وأضاف: وبما أن المثقف هو بذرة العملية تثقيفًا وتكييفًا ونشرًا وبثًا وتوعية، فإنه يمكن أن يصبح للمؤسسة دور مغاير ومتاح غير ما تتكامل به مع دور المثقف، وأعتقد أنها لو بادرت به، لقامت بدور نوعي مختلف وكاسر لكل آفاق التوقع المجتمعي، وخارق لجميع الأطر التقليدية والطبيعية والعادية والمألوفة، وسيحدث هذا لو اتخذت الجهة أو المؤسسة منزلة وسطى بين المثقف وخطابه، لغة ومضمونًا، وتفعيل إدراكه من قبل استقبال الجمهور والمجتمع، وسيكون هذا الدور وشيجة عظمى وخدمة جليلة ينشدها المثقف، ولا يعرفها المجتمع ليطالب بحقه منها، وبتوفيرها له أمام كل جرعة يبثها مثقف من أجل توعية مجتمعه.

ثقافة نشر

فيما أضاف القاص والأكاديمي د. صالح السهيمي: تنطلق بعض المؤسسات من قيم تحكم رؤاها الإستراتيجية، ومن أهمها ما يصنع الفارق في التعامل الإنساني عبر نشر الشفافية والوضوح، ولا تتميز هذه المؤسسات إلا من خلال نشر ثقافة الحقوق الخاصة بمنسوبيها والمستفيدين من التعامل معها، وإذا رأيتم المؤسسة تنشر ثقافة الحقوق عبر المؤلفات والنشرات والـ«جرافيك» والـ«موشن»، وتؤكد للجميع عبارات «اعرف حقك» و«وطني يحمي حقوقي»، والبرامج الإعلامية الأخرى التي يمكن تطبيقها في المؤسسات جميعها؛ فإنها مؤسسة واضحة الأهداف والمعالم، وتسعى لرسم خارطة الوعي الحضاري في التعامل الإنساني، ويسودها الأمن النفسي والوظيفي.

وتابع: لذا لابد من تعزيز هذه الثقافة ونشرها على مدى واسع يتواكب مع رؤية المملكة 2030، ومع رؤية القيادة الرشيدة التي تسهم في نشر ثقافة حقوق الإنسان على مستويات محلية وعالمية؛ لتعزز جوانب الاستقرار النفسي والوظيفي في مجالات متنوعة على مستوى الثقافة والإعلام والاقتصاد والصحة والتعليم.
المزيد من المقالات
x