«الترجمة».. فن نقل الثقافات بين الشعوب

الانتشار على وسائل التواصل وتحقيق المكسب المادي ليسا معيار النجاح

«الترجمة».. فن نقل الثقافات بين الشعوب

السبت ١٣ / ٠٢ / ٢٠٢١
أكد المترجم الأكاديمي فهد الهذلول أهمية الترجمة في نقل ثقافة الشعوب إلى بعضها، وبالتالي إثراء الهوية الثقافية، مشيرًا إلى أن هناك عوامل كثيرة يُحكم بها على جودة المترجم، أبرزها إجادته للغتين معًا، فلا يكون متحدثًا وكاتبًا جيّدًا باللغة الإنجليزية فقط، بل لابد أن يكون متحدثًا وكاتبًا جيدًا بالعربية أيضًا، لأنه يحتاج لإجادة التعبير باللغة العربية بشكل سليم وفصيح، فإن كان يجيد اللغتين، وتمكن من فهم المقصود من تراكيب النص الأصلي، ونقلها إلى العربية بنجاح، فهذا يؤكد أنه مترجم ممتاز.

‏اختلاف المعايير


وأضاف: تختلف معايير الترجمة من مترجم لآخر، فبعض المترجمين يبحثون عن الانتشار السريع بين القراء، فتكون خطواتهم الأهم هي البحث عن الكتب الأكثر مبيعًا وترجمتها، سواء كانت باللغة الإنجليزية أو غيرها، وينقلونها إلى العربية، بالتالي يُفترض عند انتشار هذا الكتاب المترجَم أن ينتشر اسم المترجم معه، وهناك مترجمون آخرون يحرصون على سمعتهم، ويعتبرون أن عملية الترجمة تمثل تحديًا لخبرتهم، وأنها تزيدهم علمًا بحثًا وعمقًا، فلذلك يختارون الكتب التي تكون بمجال اهتمامهم، وبمستوى أعلى من مستواهم الثقافي ولو بنسبة بسيطة، ويكون الكتاب المراد ترجمته قابلًا للترجمة والنشر ببلدهم، وهذا المعيار من الممكن أيضًا ألا يلقى الإقبال المطلوب، نظرًا لتعمد المترجم اختيار الكتب التي تُناسب معياره هو، ولكنها قد لا تناسب ذوق الجمهور المتلقي.

اللغة المحكية

‏وأوضح أن هناك أمورًا يُقيّم المترجم على أساسها، منها أن يكون المترجم جيّدًا، لكن ترجمته تكاد تقرب من اللغة المحكيّة، أو اللغة المستخدمة، ولا يبدو عليها أنها مترجمة، وهذا من المعايير الظالمة لنقل وتناقل الثقافة، والانفتاح على الثقافات الأخرى، التي هي أحد أهم أهداف ووظائف ومرتكزات الترجمة بشكل عام.

مواقع التواصل

‏وأضاف: في ظل انتشار مواقع التواصل الاجتماعي، قد يبدو أحد المترجمين بشكل أفضل من الآخرين، فقط بسبب رواج حسابه على أحد هذه المواقع، أو انتشار أحد النصوص التي قام بترجمتها، فعدد المتابعين لدى هذا المترجم لا تعني بالضرورة أفضلية ما يقدمه هذا المترجم عن إنتاج المترجمين الآخرين الذين لم تلق أعمالهم الرواج الأكبر، والذين ليس لديهم حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي، لذلك فمن الأفضل تطبيق المعايير العلمية، التي تخضع للكثير من المعايير الفرعية التي تحدد إن كان المترجم جيّدًا أم لا، ويتحدد ذلك بإتقانه للغة الهدف، فإن كانت لغته ممتازة، وفهمه جيّدًا للمقصود من تراكيب النص، فهذا يؤكد أنه مترجم ممتاز.

‏أهمية العربية

‏وتابع: يعتقد العديد ممن يدخلون تخصص اللغات والترجمة أنه تخصص لغة فقط، وأن هدفه هو أن يكون قادرًا، فقط، على التحدث باللغة الإنجليزية، فيبدأ بالتركيز على مواد اللغة الإنجليزية، ويهمل المواد التي لها علاقة باللغة العربية، ويفاجأ في نهاية المطاف أنه اكتسب جزءًا من التخصص ونسي الأجزاء الأخرى، فحتى لو تقدم باللغة الإنجليزية وكان غير قادر على التعبير باللغة العربية، فإنه يكون غير قادر على النجاح كمترجم، لأن عنصر نجاح المترجم هو نجاحه في اللغتين معًا، فلا يكون متحدثًا وكاتبًا جيّدًا باللغة الإنجليزية فقط، ولا متحدثًا وكاتبًا ممتازًا باللغة العربية وحدها، بل لابد أن يجيد كلتا اللغتين في الوقت نفسه، فإذا كان يترجم من الإنجليزية إلى العربية، فإنه يحتاج لإجادة التعبير باللغة العربية بشكل سليم وفصيح، بحيث يناسب مستوى النص وفهمه العالي.

المكسب المالي

‏واستكمل حديثه قائلًا: هناك أنواع للترجمة الهدف منها يكون كسب الرزق المالي، ولا يعني ذلك خلو الترجمة من الإبداع والشغف، ولكنها تكون برامج مخصصة بالبرمجة العملية الميدانية، مثل الترجمة الطبية، والترجمة في المجال القانوني، والترجمة في القطاع الأمني والعسكري، والترجمة في القطاع المالي، أما الترجمة التي غالبًا يغلب عليها طابع الشغف فهي الترجمة الأدبية، سواء ترجمة النثر كالروايات، أو ترجمة الشعر، وغالبًا لا يكون المكسب المادي هدفها الأول، لكن في بعض الأحيان تترجم قصيدة ما، فترفع من شأن هذا المترجم وتحقق له المكسب المادي والشغف في الوقت نفسه، ولكنه قد يكون نفس المترجم قد ترجم العشرات من القصائد قبلها، دون أن تلقى نفس الرواج أو تحقق له المكسب المادي، ولكنه، كمترجم، يشعر بأنه عبر عن شغفه، ويشعر بالرضا عن ذاته وعما يقدمه.

صانع المعرفة

‏وأضاف: هناك فلسفتان في مدارس الترجمة فيما يخص المفردات والمعاني، فهناك مَنْ يقلل من استخدام الكلمات، وهناك مَنْ يخشى عدم فهم القارئ فيتجه للإسراف في الشرح والملحوظات الجانبية، لكن المترجم عامل ينقل المعرفة، أكثر من كونه صانعًا للمعرفة، أو قادرًا على اتخاذ قرار خارج سياق اللغة، وفي بعض الأحيان يأتي المحرر أو مدقق اللغة ليغيرا جزءًا كبيرًا مما تم ترجمته، كما أن هناك حالات كثيرة لا يختار فيها المترجم المادة المترجمة، ولا حتى طريقة الترجمة، وتكون دور النشر هي التي تقوم بهذه المهمة، إلا مع بعض المترجمين الذين يُقدّم لهم العمل رغبة في التعاون معهم، وغالبًا يكونون أصحاب اسم وسمعة في سوق النشر.

نظرية الأنظمة

‏وتابع: متى استطاع المترجم التواصل مع مَنْ هم خارج لغته، فسوف يكون قادرًا على الوصول للمعنى المقصود من الكاتب، وقد يصعب عليه في بعض الأحيان الوصول إلى كلمة أو مصطلح ما، ولكن في نهاية المطاف فإن للمترجم أساليبه وطرقه التي توصل للقارئ المعنى الذي قصده الكاتب، وهنا تتدخل أيضًا عوامل ليس للمترجم علاقة بها، فإن ترجم كتابًا قديمًا مر على صدوره أربعون عامًا أو أكثر، وكانت هناك استعارات وتمثيلات منتشرة في تلك الحقبة الزمنية قد يكون القارئ في ذلك الوقت قادرًا على فهم المقصود منها بسهولة، ولكن بعد مرور الوقت تأتي حقبة جديدة بتغيرات لغوية كثيرة، فعندما نقرأ هذه الترجمات قد يصعب علينا فهمها على الرغم من وضوحها في الحقبة الزمنية الماضية، وهذا ما يسمى «نظرية الأنظمة»، فهنالك نظام لغوي كامل يرتبط بكل حقبة زمنية، وهو ليس المؤثر الوحيد، بل هناك العديد من المؤثرات الأخرى لوصول المعنى للقارئ.

الهوية الثقافية

‏وأضاف: للترجمة دور في إثراء الهوية الثقافية، فإذا كانت تُدار بشكل إيجابي بحركة الترجمة، فقد تنقل ثقافة جديدة للمترجمين العرب، أو تصدر ثقافتنا للغير، أو تجذبنا للقراءة، فتصبح الترجمة هي الصانع الحقيقي للثقافة، وقد تؤثر اللغة المستخدمة في الترجمة على تصميم اللغة واستخدامها في المستقبل.

‏صوت الكاتب

‏وأوضح القارئ فيصل خرمي، أن الإلمام باللغة المترجم منها واللغة المترجم لها، ومحاولة التركيز على نقل النص كما هو، أو كما أراده الكاتب، والمحافظة على صوت الكاتب قدر الإمكان، والتقديرات الذاتية للمواقف من قِبل المترجم بما يتوافق مع النص، والسلاسة في اللغة والأسلوب، من المعايير التي تجعله يُفضّل القراءة لمترجم عن مترجم آخر.
المزيد من المقالات
x