صراع أروقة «الوفاق» قبيل اختيار سلطة ليبية جديدة

السراج وباشاغا.. الحليفان اللذان اختلفا في العلن والخفاء

صراع أروقة «الوفاق» قبيل اختيار سلطة ليبية جديدة

الخميس ٢٨ / ٠١ / ٢٠٢١
مع استمرار الهدوء العسكري والتقدم السياسي في ليبيا نحو انتخابات وطنية من المقرر إجراؤها يوم 24 ديسمبر المقبل، ومع قرب اختيار سلطة تنفيذية جديدة وموحّدة (مؤقتة لحين الانتخابات) مكونة من رئيس مجلس رئاسي ونائبين، مع رئيس حكومة مستقل، ما زال البعض في البلاد يتوجس من بعض ما يدور في أروقة حكومة الوفاق والغرب الليبي عموماً.

ويظهر ذلك فيما يبدو أنه «صراع قائم بين شخصيات سياسية كانت متحالفة أيام الحرب على طرابلس»، أبرزها ما يجري في العلن والخفاء بين رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني «فائز السراج» ووزير داخليته «فتحي باشاغا»، منذ إحالة السراج باشاغا للتحقيق على خلفية رفض الأخير طريقة تعامل كتائب مسلحة مع مظاهرات خرجت وسط طرابلس نهاية أغسطس الماضي.


تحدي باشاغا

ويقول المحلل السياسي والأستاذ بجامعة طرابلس فرج دردور: منذ ذلك اليوم أدرك السراج أنه في خطر.

ويفصّل دردور الأمر قائلاً: عندما استُدعي باشاغا للتحقيق أحضر معه رتلاً من نحو 500 آلية، في تحدٍ صارخ بجاهزية تلك القوة للتدخل في حال عزله، وبالتالي تمت التسوية وأعيد إلى منصبه.

في منتصف سبتمبر الماضي أعلن السراج عن رغبته في تسليم السلطة نهاية شهر أكتوبر الماضي، كتاريخ لانتهاء لجنة الحوار من عملها واختيار مجلس رئاسي جديد ورئيس وزراء.

عند حلول الموعد وتباطؤ الحوار تراجع السراج عن استقالته، وفي 20 ديسمبر الماضي، أصدر قراراً بتحويل تبعية جهاز الردع «أحد أقوى الأجهزة الأمنية في طرابلس»، من وزارة الداخلية ليكون تابعا بشكل مباشر للسراج.

وأصدر السراج في 18 يناير الحالي، قراراً آخر باستحداث جهاز أمني هو «جهاز دعم الاستقرار» بصلاحيات واسعة، وكلف أحد قادة الميليشيات في طربلس «عبدالغني الككلي» برئاسة الجهاز، مع ثلاثة نواب له، كلهم من المنطقة الغربية، ومن غير الموالين لباشاغا.

مناورة السراج

ويقول الحقوقي والمحلل السياسي أحمد الرّوياتي، من داخل مدينة مصراتة: إن إنشاء جهاز دعم الاستقرار مناورة من السراج لتقويض العمل السياسي الذي تقوده البعثة الأممية، وهناك تسريبات بأن السراج يحاول تثبيت السلطة الموجودة حالياً لتقود المرحلة التمهيدية حتى موعد الانتخابات، وبالتالي هو حاول أن يجمع مِن حوله وأن يخلق نفوذاً لنفسه على المستوى السياسي والعسكري، ويضغط به في اتجاه عمل البعثة لكي يكون الخيار المحتمل والأرجح لديها للاستمرار في السلطة.

ويخالف دردور هذا الرأي، ويوافق السراجَ في قراره، ويرى أنه «ردة فعلٍ ناتجة عن مخاوف من عدم انضباط وزير الداخلية وتنسيقه مع الخارج، مما دفع السراج لمحاولة خلق قوة أخرى موازية تتبعه مباشرة وعززها بإنشاء جهاز دعم الاستقرار، من أجل خلق نوع من التوازن».

ويوضح قائلا: باشاغا انسلخ عن مهمته كوزير داخلية، لا نقول «إنه فشل»، بل ربما كان أفضل من أدار الوزارة، لكن طموحه غلب موقفه، لقد صار يتنقّل بين عدة دول منها مصر وفرنسا، مستخدماً وظيفته في الدعاية لنفسه.

ويعتقد دردور أن هذا سيدفع منافسي باشاغا إلى اعتبار أي تقدّم له «غير شرعي»، وهذا سيعيد البلاد إلى المربع الأول.

انفتاح وشجاعة

لا يتفق الرّوياتي مع هذا الطرح، ويصوّر زيارة باشاغا لمصر وفرنسا بـ«الانفتاح والشجاعة في التوجه إلى الدول المحسوبة على الطرف الآخر».

ويسترسل قائلا: أثبت باشاغا نفسه بواقعية من خلال مكانه كوزير داخلية عبر الكثير من الأعمال، صحيح أنه لم ينجز كل ما وعد به، لكنه كان الأقوى والأشجع في مواجهة الإشكاليات التي تعم معسكر الوفاق عندما صادم الميليشيات وواجه جماعات الفساد، هذا بالإضافة لتعاطيه مع القضية الليبية بعيداً عن الحدة والعدائية، ما سمح له أن يكون الشخصية الأنسب لمنصب رئاسة الوزراء لدى الدول الكبرى والمعنية بالملف الليبي، وأخص بالذكر فرنسا ومصر، بالإضافة للدول الحليفة التي أيدته في كثير من الحالات، فقد كان له دور بارز في صد العدوان على طرابلس، وهذا منحه صفة رجل الحرب والسلم بشكل أقنع كثيرين في الخارج.

في المقابل، يقول دردور: إن دخول باشاغا من باب حزب العدالة والبناء الذي يقود عملية سياسية دون فوز في انتخابات، يعتبر نوعا من اللعب خلف الكواليس، وهذا لا يدفع إلى الاستقرار الذي نأمله، بل سيخلق صراعا وأزمة، ولا يمكن القبول بذلك في أي عملية سياسية.

تسليم السلطة

ويضيف دردور: السراج أيضاً مساهم بشكل أو بآخر في عدم إحداث استقرار، لأنه لا يريد تسليم السلطة، لديه مستشارون ينصحونه دائماً بالانفراد وإصدار بعض القوانين والقرارات التي لا تخدم المصلحة العامة، وتدفع باستمرار وجوده في السلطة.

ويكمل قائلا: إن حكومة السراج أيضاً فيها الكثير من الفساد، هذا على الأقل ما يقال، وبالتالي فإن بقاء كل الصيغ السابقة فيه إجحاف للوطن والمواطن، ويجب على الأقل إجراء تعديل في هيكلية المجلس الرئاسي وصلاحياته، ولكن ليس تغييراً كاملاً، لأن اختيار السلطة التنفيذية حالياً لا يسير في سياق ديمقراطي طبيعي بل في إطار محاصصات وجهوية.

ويتابع الروياتي: أعتقد أن مشكلة السراج مع البقاء في السلطة تكمن في مستشاريه، فأنا أجزم أنه كان صادقاً في تقديم استقالته بسبب ضغوطات كان يتعرض لها، ولكن المجموعة المحيطة به هي من أعادته إلى محاولة إحياء نفسه سياسياً من جديد.

المصالح والفساد

ويواصل الروياتي حديثه، مفسرا الفقرة السابقة: لأن هناك مصالح اقتصادية كبيرة لهذه الأطراف، وليس من السهولة أن تسمح بخروج السراج وأن يتم إقصاؤها أو فضح الفساد الحقيقي الذي نشأ من اللوبي المحيط بالسراج، وبالتالي فإن الاستقالة كانت حقيقية في وقتها ولكنها أصبحت اليوم غير حقيقية، ولا أعتقد أن السراج لايزال متمسكاً بها.

وفي لهجة تفاؤل، يستبعد الروياتي أن يقود هذا الصراع إلى نشوب حرب أخرى، ويعلل ذلك بالقول: وفق ما نشاهده من توافقات متتالية، آخرها الذي حدث في اجتماع الغردقة (المصرية) بالعودة إلى الاستفتاء على الدستور، والتقدم الكبير على مستوى التسوية السياسية والتوافق على آلية اختيار السلطة التنفيذية، وفتح باب الترشح، لا أعتقد أن المشروع السياسي والتوافق الوطني على كافة المسارات سيفشل، ولكن، حتى لو افترضنا أن هذه المسارات ستتوقف أو تفشل، ففي تقديري لن تكون هناك أي حرب، بل حالة من الضبابية والفوضوية والاحتدام السياسي.

وختم الروياتي قائلا: في النهاية لن يتجرأ أي طرف على إشعال الحرب من جديد، لأن الدول المتداخلة في الملف الليبي والداعمة للأطراف المتصارعة وأبرزها روسيا وتركيا لا تريد هذه الحرب، فقد حققت من المنجزات ما يحول دون المقامرة بعمل عسكري ربما يدفع لتدخل أمريكي قد يقلب الطاولة.
المزيد من المقالات
x