السودان وإثيوبيا.. أراضي «الشكوك والخلافات المتبادلة»

السودان وإثيوبيا.. أراضي «الشكوك والخلافات المتبادلة»

استمرت التوترات بين الخرطوم وأديس أبابا في التصاعد المطرد يومًا بعد آخر، بعد نحو أسبوع من اتهام السودان لطائرة عسكرية إثيوبية بالعبور إلى أراضيه، وهي علاقة بحسب مطلعين تعتمد منذ فترة طويلة على الشكوك والخلافات المتبادلة حول الأراضي الزراعية.

وشهدت الأيام القليلة الماضية تقدم الجيش السوداني إلى منطقة «قوندر» بإقليم أمهرة الإثيوبي والقريبة من الحدود، ورافق ذلك مزاعم لسكان ومسؤولين إثيوبيين، أن بعض أفراد الجيش نهبوا الماشية وأحرقوا الأراضي الزراعية المملوكة لمزارعين محليين.


ظلت الحدود بين السودان وإثيوبيا متنازعًا عليها منذ أكثر من قرن، مع عدد من المحاولات الفاشلة للتفاوض على اتفاق حولها.

وتدعي إثيوبيا بطبيعة الحال ومنذ فترة طويلة أن أجزاء من الأرض الممنوحة للسودان بموجب معاهدتي 1902 و1907 بين الأولى وبريطانيا، هي في الواقع ملك لها.

وفي سياق الأمر، يقول كبير المحللين في إثيوبيا بمجموعة الأزمات الدولية، ويليام دافيسون: لقد وضعت هذه المسألة على الرف لبعض الوقت، وبالرغم من وجود نشاط زراعي إثيوبي في هذه المناطق، يبدو أن هناك تفاهمًا على أنها لا تعني أنها تتبع لأديس أبابا.

ويضيف دافيسون في حديث لـ «DW» تابعته «اليوم»: يبدو أن عقودًا من الاحتكاك والمفاوضات انتهت في 2008 عندما تم التوصل إلى تسوية «حدودية ناعمة» بين البلدين.

ومع ذلك، بدأ هذا الاتفاق في الانهيار بعد الإطاحة بجبهة تحرير تيغراي الشعبية الإثيوبية من السلطة في 2018.

وكان رئيس الوفد الإثيوبي لمحادثات الحدود لعام 2008، أبي تسيهاي، مسؤولًا كبيرًا في الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، التي وصفها زعماء عرقية الأمهرة منذ ذلك الحين بأنها صفقة سرية.

وتتكوّن الحدود بين إثيوبيا والسودان بشكل أساسي من مناطق زراعية، يسكنها أيضًا مزارعون إثيوبيون على الجانب السوداني. ومع ذلك، باءت محاولات حل المشكلة في القمة الإقليمية في ديسمبر 2020 بالفشل، بعد ذلك بوقت قصير، اندلعت اشتباكات بين الجيش السوداني وقوات «الشفته» الإثيوبية في الأراضي الزراعية في المنطقة الحدودية.

وبالطبع لا تزال إثيوبيا تعاني من نزاع مسلح مستمر في منطقة تيغراي الشمالية بالقرب من الحدود السودانية، مما قد يثير مخاوف من جانب السودان من أن الإثيوبيين قد يحاولون الاستيلاء على بعض المناطق المتنازع عليها وسط الفوضى.

قال دافيسون: عندما استعاد القوميون الأمهرة والعناصر الأخرى في ولاية أمهرة الإقليمية أراضي في «تيغراي» يقولون «إنها كانت تاريخيًا أمهرة»، كانوا يبحثون أيضًا عن مناطق كانت تاريخيًا جزءًا من إثيوبيا.

وأضاف «يعتقد أن هذا أدى إلى بعض المخاوف في السودان من أن مزارعي الأمهرة سيعززون احتلالهم لهذه المناطق التي تعتبرها الخرطوم سودانية».

وفي الوقت الذي اتهم سفير إثيوبيا في الخرطوم، يبلتال أميرو، الجيش السوداني باستغلال أزمة تيغراي للسيطرة على الأرض المتنازع عليها، يستضيف السودان حاليًا أكثر من 50000 لاجئ إثيوبي من الصراع.

ورغم إعلان القوات الحكومية الإثيوبية النصر على جبهة تحرير تيغراي في نوفمبر، إلا أن هناك قتالًا متقطعًا في عدد من المناطق، بينما الوضع الإنساني مستمر في التدهور مما دفع مجموعات الإغاثة الدولية إلى الوصول لتدارك الأمر.

ولا ننسى أن هناك ملفًا عالقًا ومهمًا وهو موضوع على طاولة السودان وإثيوبيا ومصر، حيث يلوح سد النهضة في الأفق على علاقة الخرطوم وأديس أبابا المتوترة.

و«النهضة» بدأت إثيوبيا بناءه في أبريل 2011 ويقع على بُعد 20 كيلو مترًا شرق حدود الجارة الغربية السودان، ومع ذلك، لم يتم التوصل إلى اتفاق بشأن استخدام مياه النيل حتى اللحظة، ما يثير قلق الخرطوم التي تعتمد بشكل كبير على خزانات النيل للزراعة، وتوليد الكهرباء، وحذرت من قبل بتأثر سد الروصيرص من عملية ملء «النهضة» الإثيوبي.

وعن هذا المنحى، يوضح دافيسون: كان السودان داعمًا لسد النهضة، الذي يمكن بالطبع أن يكون مفيدًا له من حيث الكهرباء، والحد من الفيضانات، وتعزيز الري، ويستدرك: لكن في العامين الماضيين، اتخذت الخرطوم موقفًا أكثر حزمًا، وشددت على مخاوفها بشأن كيفية إدارة التشغيل المشترك للسد والسدود السودانية، وقد أدى ذلك إلى بعض التوترات في العلاقة مع إثيوبيا.

ويقول، الممثل المقيم لـ «فريدريش إيبرت» في السودان، فيليب سي جان: إن الصراع الذي طال أمده ليس في مصلحة الحكومة السودانية المؤقتة، أو الشعب السوداني.

وقال جان «السودان في أزمة حكومية عميقة مع تضخم مفرط»، وأضاف إنها في طور التفاوض على حكومة جديدة مع الجماعات المتمردة والجانب المدني والجيش، التي تم تأجيلها مرارًا، السودان لا يستطيع تحمّل هذا الصراع في الوقت الحالي.

ومع ذلك، يستعد بعض المدنيين بالفعل لإبعاد عائلاتهم عن الحدود بعيدًا عن الأذى.

ويلفت جان إلى أن كثيرًا من الناس في الخرطوم يسافرون إلى الشرق وينقلون أفراد أسرهم إلى المدن، ويؤكد «الجميع خائفون جدًا من صراع قادم»، بيد أن دافيسون يعتقد أن الحرب بين إثيوبيا والسودان «ليست حتمية بأي حال من الأحوال».

ويقول كبير المحللين بمجموعة الأزمات الدولية: لقد وصلنا إلى نقطة شائكة إلى حد ما، ولكن هناك أيضًا الكثير من الفرص للأطراف للانسحاب وإبعاد أنفسهم عن احتمالات الصراع.

ويختم قائلًا: «إن احتمال أن تفتح إثيوبيا جبهة عسكرية رئيسية أخرى مقلق لأن البلاد هشة للغاية بالفعل، وإذا كانت ستشهد المزيد من عدم الاستقرار الداخلي فسيكون لذلك تداعيات إقليمية».
المزيد من المقالات
x