اتفاق «بريكست» يمهد لتفكيك المملكة المتحدة

يضعها على مسار شائك

اتفاق «بريكست» يمهد لتفكيك المملكة المتحدة

الثلاثاء ١٩ / ٠١ / ٢٠٢١
تساءلت مجلة «ناشيونال إنترست» الأمريكية عمَّا إذا كان اتفاق «بريكست» الذي وقعته بريطانيا والاتحاد الأوروبي سيكون سببًا في تفكك المملكة المتحدة.

وبحسب مقال لـ «ميلتون أزراتي»، تمنح بنود الاتفاق الطرفين -ظاهريًّا- معظم ما كانا يرغبان فيه، لكن الاتفاق وضع بريطانيا على مسار شائك على المدى الطويل، كما أنه لن يضع حدًّا للتوترات مع بروكسل.


وتابع الكاتب يقول: ذهبت بريطانيا إلى هذه المفاوضات ولديها 3 أهداف؛ أولها مواصلة التجارة المفتوحة من غير رسوم جمركية مع الاتحاد الأوروبي الذي يستوعب نصف صادرات بريطانيا، أما الهدف الثاني فهو تأمين وضعها المالي المميز الذي تمتعت به عندما كانت المملكة المتحدة عضوًا في الاتحاد الأوروبي، والثالث التخلص من قواعد وأنظمة الاتحاد الأوروبي، خاصة تلك التي تُرغم بريطانيا على فتح أبوابها أمام الهجرة من قِبَل أعضاء الاتحاد الأوروبي.

أحكام سلطات

ومضى الكاتب أزراتي يقول: حصلت بريطانيا على بعض ما أرادت، ولكن ليس كل ما أرادت، وما حصلت عليه لم يكن متحررًا تمامًا من أحكام سلطات الاتحاد الأوروبي في بروكسل.

ولفت إلى أن الجزء المُرضي في الاتفاق للجانبين هو أن تجارة البضائع وبعض الخدمات سوف تستمر دون تعريفات جمركية أو حصص، وأشار إلى أن هذا البند وحده يخفف ألم الانفصال؛ حيث يبلغ حجم التجارة بين بريطانيا وبقية أوروبا نحو 900 مليار دولار.

وأضاف: هذا يناسب المنتجين على ضفتي القنال، ويسمح لبريطانيا بالاحتفاظ بالعديد من منشآت الإنتاج الواقعة في أوروبا والمملوكة لطرف ثالث، لا سيما الشركات اليابانية، وحصول هذه الشركات على وصول حر للسوق الأوروبي بأكمله.

وتابع: إضافة لذلك، يسمح الاتفاق لبريطانيا بتقييد الهجرة من دول الاتحاد الأوروبي، لكن هذا لن يحل مشاكل الهجرة تمامًا في هذا البلد الذي يأتيه مهاجرون من مناطق أخرى في العالم، ومضى يقول: يحرر هذا الاتفاق بريطانيا من أنظمة الاتحاد الأوروبي الخاصة بالمنتجات والعمل والبيئة، ويعطي هذا البند فوائد مختلفة لكل طرف من الأطراف.

وأردف: بالنسبة لبريطانيا، لا يسمح الاتفاق للندن بصياغة قواعدها التنظيمية فحسب؛ لكنه يسمح لها أيضًا بإقامة اتفاقيات تجارية جديدة مع دول أخرى، مثل الولايات المتحدة واليابان، دون الالتزام بقواعد الاتحاد الأوروبي.

ونوه الكاتب بأن هذا التنازل من جانب بروكسل يفيد الاتحاد الأوروبي، حيث يمنحه مرونة أكبر مما كانت لديه في السابق في التفاوض على اتفاقيات تجارية مع أطراف ثالثة.

سيادة لندن

ومضى أزراتي يقول: منح الاتفاق بريطانيا معظم ما كانت ترغب فيه، غير أن هناك أمورًا عملية ستقلل كثيرًا من سيادة لندن على تحديد مسارها.

وأضاف: وفقًا لهذا الاتفاق، يمتلك الاتحاد الأوروبي حق إنهاء ترتيبات الإعفاء من الرسوم الجمركية في حال رأت بروكسل أن بريطانيا بدأت في استخدام استراتيجيات تجارية غير عادلة، وأشار إلى أنه في ضوء خضوع السياسات التنظيمية والضريبية لمثل هذه الأحكام، ستحتاج لندن في النهاية لأخذ رأي بروكسل في الحسبان عند وضع سياسات أو صياغة اتفاقيات تجارية مع دول أخرى، مؤكدًا أن مصير قطاع التمويل البريطاني يشكّل مصدر إحباط للندن؛ حيث تلقي الخدمات المالية بظلال كبيرة على اقتصاد المملكة المتحدة.

وتابع: لا يمنح الاتفاق -كما كانت رغبة لندن- قطاع التمويل البريطاني حرية الوصول إلى أعضاء الاتحاد الأوروبي، كما هو الحال عندما كانت بريطانيا عضوًا في الاتحاد، وأردف يقول: استباقًا لهذا الوضع المحبِط، أسس العديد من الشركات المالية البريطانية بالفعل عمليات مستقلة في القارة، ونُقلت الوظائف والإيرادات استنادًا لهذا الأمر.

وبحسب الكاتب، فإن هذا الأمر بمثابة ثقب اقتصادي ستستغرق بريطانيا وقتًا طويلاً لكي تملأه.

وأشار إلى أن الجزء الأصعب في الاتفاق هو وضع أيرلندا، مضيفًا: منذ بداية المفاوضات كانت الحدود بين جمهورية أيرلندا وإقليم أيرلندا الشمالية التابع للمملكة المتحدة قضية حساسة.

وتابع: اشترطت الاتفاقيات التي أنهت الإرهاب الأيرلندي، أن تبقى الحدود مفتوحة لمرور البضائع والخدمات والبشر، قبل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، لم يكن هذا الأمر مشكلة؛ لأن المملكة المتحدة وجمهورية أيرلندا كانتا عضوتين في الاتحاد الأوروبي.

نقاط مراقبة

وأضاف: لكن مع خروج بريطانيا من الاتحاد، فإن الاتفاق يفرض نقاط مراقبة حدودية، ولتجنب ذلك منح الاتفاق استثناءً لأيرلندا، ليظل إقليم أيرلندا الشمالية داخل المنطقة الجمركية للاتحاد الأوروبي، مما يجعل الإقليم يتجنب الحاجة لوجود نقاط مراقبة حدودية.

وأردف: كما شدد الاتفاق على وجوب التزام أيرلندا الشمالية بالمعايير التنظيمية العامة للاتحاد الأوروبي، بما يعني أن جزءًا من المملكة المتحدة سيخضع لقوانين كيان أجنبي.

وأوضح أن هذا بمثابة خسارة مروعة للسيادة التي هي الدافع الرئيسي لتصويت البريطانيين على الخروج من الاتحاد الأوروبي، كما أن الاتفاق يعزز من احتمال إعادة توحيد أيرلندا، ونوَّه بأن ارتباط إقليم أيرلندا الشمالية في لندن هو ما يجعل المملكة المتحدة تمثل الوطن الأم لهذا الإقليم، لكن الاتفاق قد ينهي هذه التسمية.

وتابع: إن قضايا مثل الأسماء والفخر الوطني والسيادة ستستغرق وقتًا طويلًا قبل أن يجري حلها، وستستغرق بريطانيا أيضًا وقتًا طويلاً قبل معالجة القيود التنظيمية والاقتصادية الناتجة عن هذه الترتيبات، وأهمها مصير قطاع التمويل البريطاني.

ولفت إلى أن تلك التسوية على المدى القصير، ستقدم دعمًا اقتصاديًا عبر إزالة العديد من حالات عدم اليقين التي خيَّمت على صناعة القرار الاقتصادي منذ استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي 2016.

وأشار إلى أنه مع توفر اللقاحات اللازمة لمكافحة جائحة كورونا، ورفع الأعباء الاقتصادية الشديدة التي تسببت فيها، فإنه ينبغي لهذا المزيج من اللقاحات والاتفاق دعم بريطانيا والاتحاد الأوروبي في الأمد المنظور.
المزيد من المقالات