اندفاع الأتراك لاقتناء الذهب يبشر البلاد بأزمة مالية

أردوغان يسعى إلى الاستيلاء على مدخراتهم

اندفاع الأتراك لاقتناء الذهب يبشر البلاد بأزمة مالية

أكدت مجلة «ناشيونال إنترست» الأمريكية أن اندفاع المواطنين الأتراك المحموم لاقتناء الذهب يشير إلى أزمة مالية مقبلة.

وبحسب مقال لـ «أيكان أردمير»، العضو السابق بالبرلمان التركي، و«جون ليشنر»، وهو محلل مالي سابق، كانت الليرة التركية، التي فقدت 20 % من قيمتها مقابل الدولار الأمريكي العام الماضي، واحدة من أسوأ العملات أداءً في العالم في عام 2020.


وتابع المقال: انخفضت احتياطيات العملات الأجنبية إلى المنطقة الحمراء في حالة حساب التزامات أنقرة تجاه البنوك المحلية.

وأشار كاتبا المقال إلى أن الاقتصاد التركي بات كحطام قطار يتحرك ببطء، على حد تعبير أحد المصرفيين السابقين بالبنك المركزي، وأوضحا أن المقياس الأفضل لهذه الأزمة الاقتصادية البطيئة هو اندفاع الأتراك المحموم للذهب.

ومضيا بالقول: منذ العام الماضي، ضاعفت الشركات التركية ومستثمرو التجزئة حيازاتهم من الذهب 3 مرات لتصل إلى 36 مليار دولار، هذا إضافة إلى 3 آلاف و5 آلاف طن متري من المعدن الذي يحتفظون به في المنزل، بقيمة تتراوح بين 186 مليار دولار إلى 310 مليارات دولار بأسعار السوق الحالية.

عجز تركي

وبحسب كاتبي المقال، فإن الاندفاع إلى استيراد الذهب لتلبية الطلب المتزايد أدى إلى فوضى في العجز التجاري التركي، مع اتساع العجز في الفترة من يناير إلى نوفمبر إلى 45 مليار دولار، أي ما يقرب من الضعف مقارنة بالعام الماضي، وتابعا: طوّر المواطنون الأتراك، بسبب الأحداث السابقة من التضخم المفرط، وانخفاض قيمة العملة، وإخفاقات البنوك، التي دمرت ثرواتهم بين عشية وضحاها، إحساسًا غريبًا بالمخاطر المستقبلية، وأردفا: قد يوفر تحوّل الجمهور التركي إلى الذهب مؤشرًا أفضل إلى الضغط الذي يرزح تحته النظام المالي، قياسًا بالمؤشرات الماكرو- اقتصادية العادية.

وبحسب الكاتبين، كان الذهب بالنسبة إلى الأتراك الشكل الأكثر شيوعًا للادخار وللملاذ الآمن من الأزمات المنتظمة.

وأردفا: خلال الصيف، زاد الطلب على الخزائن 4 أضعاف بمتوسط 4000 خزينة في الشهر، وهناك 1 من كل 4 أتراك يحتفظون بالذهب والعملات الأجنبية في المنزل، وهناك 18% من الأتراك يدخرون الذهب ضمن حسابات خاصة في البنوك.

ونبّها إلى أن احتفاظ الأتراك بالذهب في منازلهم أكثر من احتفاظهم به في البنوك، رغم الفائدة التي يمكنهم الحصول عليها، أمر واضح، وأضافا: هناك وعي متزايد بأن ودائع الذهب والعملات الأجنبية الخاصة بالأفراد والتي تبلغ قيمتها 258 مليار دولار لم تعُد آمنة.

خدعة مزدوجة

وأشار الكاتبان إلى أن السبب في ذلك هو دعم البنك المركزي التركي لليرة بمبلغ 133 مليار دولار، والذي يقوم به جزئيًّا من خلال خدعة المبادلة المزدوجة، التي بموجبها يأخذ البنك المركزي ودائع العملات الأجنبية من البنوك الخاصة في عملية المقايضة الأولى، ثم يسلّمها إلى البنوك الحكومية (مقابل الليرة) في المقايضة الثانية، ثم تبيع بنوك الدولة ودائع العملات الأجنبية بالدولار لإبطاء انهيار الليرة.

وأضافا: لكن في الوقت الذي يسعى فيه المواطنون العاديون إلى الحفاظ على ثرواتهم، يسعى حزب أردوغان للعدالة والتنمية إلى إيجاد طرق جديدة للاستفادة من هذا الاندفاع المحموم نحو الذهب.

ويتابعان في مقالهما: في أكتوبر، قدّم نواب حزب العدالة والتنمية، على الرغم من المخاوف البيئية، مشروع قانون لتجديد تراخيص التنقيب عن الذهب في تركيا، وأضافا: قام المشرعون بتعديل تشريعات التنقيب عن الذهب أكثر من 20 مرة خلال العقدين الماضيين للالتفاف على اللوائح البيئية، علاوة على ذلك، نظرًا إلى تاريخ حزب العدالة والتنمية، فإنه لن يكون مفاجئًا رؤية عمولات لتراخيص تعدين الذهب الجديدة.

وبحسب الكاتبين: بين عامي 2012 و2013، كشف المحللون الذين راقبوا أرقام استيراد وتصدير الذهب في تركيا عن مخطط هائل لكسر العقوبات الأمريكية ضد إيران، وأردفا: خلال هذين العامين، كما هو الحال الآن، كانت أرقام الاقتصاد الكلي لتركيا مضللة، حيث ادعت تركيا أنها صدرت بما قيمته 14 مليار دولار من الذهب بشكل شبه حصري إلى إيران، لكنها كانت في الواقع مدفوعات أنقرة لطهران مقابل واردات الغاز الطبيعي.

عجز جارٍ

وأضافا بمقالهما: تباهى العقل المدبر للمخطط رضا ضراب بأنه ساعد على خفض عجز الحساب الجاري لتركيا، ويواجه بنك «خلق»، مقرض الدولة التركي الذي شارك في المخطط، اتهامات أمام محكمة فيدرالية في مانهاتن لمساعدته على التهرب من العقوبات الأمريكية ضد إيران.

وتابعا: مع ذلك، لم تكن إيران الشريك الوحيد المتورط في مكائد الحكومة التركية القائمة على الذهب، ففي 2018، ارتفعت صادرات فنزويلا من الذهب إلى تركيا، لتصل إلى 900 مليون دولار، لأن الرئيس نيكولاس مادورو قرر نقل تكرير الذهب من سويسرا إلى تركيا لتجنب العقوبات الأمريكية.

ومضيا بالقول: في يناير 2019، حذر مساعد وزير الخزانة الأمريكية مارشال بيلينجسلي، أنقرة من أن واشنطن تدرس تجارة تركيا مع فنزويلا وستتخذ إجراءات إذا انتهكت المعاملات العقوبات الأمريكية، وأضافا: بعد 6 أشهر، أصدرت الوزارة عقوبات ضد شركة مقرها تركيا متورطة في شبكة عالمية للفساد وغسيل الأموال يديرها مادورو.

وبحسب المقال، من المرجّح أن تؤدي الزيادة في طلب تركيا على الذهب إلى سوق رمادية أكبر في الداخل، التي قد يحرص المسؤولون الحكوميون على استغلالها، وتابع كاتبا المقال: في ديسمبر 2019، كشفت الحكومة التركية عن خطط لتخفيف القواعد التي تحكم استيراد الذهب.

ثروة ضئيلة

وبحسب الكاتبين، يحاول المواطنون الأتراك الحفاظ على ثروتهم الضئيلة من ناحية، بينما تسعى النخبة السياسية المفترسة إلى تحقيق مكاسب اقتصادية وسط الفوضى من ناحية أخرى. ومضيا بقولهما: في جميع الاحتمالات، سيتحمّل الأتراك العاديون وطأة السياسات الاقتصادية غير الحكيمة والمكائد التي تنتهجها حكومتهم فيما يخص الذهب، وتابعا: إذا تفاقمت أزمة العملة، فقد يضطر أردوغان إلى حظر ودائع العملات الأجنبية وتحويل مدخرات المواطنين بسعر صرف رسمي، أي أقل من سعر السوق.

وأردفا: في 20 نوفمبر، طلب أردوغان من الأتراك تسجيل كل ما لديهم تحت الوسادة، سواء في الخارج أو في الداخل، ويواصلا المقال بالقول: بالنسبة إلى الأتراك، يعتبر الاحتفاظ بالذهب في المنزل أفضل إجراء مضاد لسياسات الحكومة غير التقليدية، لكنه يؤدي أيضًا إلى تفاقم المشكلة.

وأشارا إلى أن استيراد الذهب يضر بعجز الحساب الجاري لتركيا، كما أن انخفاض المدخرات في البنوك يضعف إقراض الشركات، وتابعا بقولهما: مع ذلك، إلى أن يكون لدى الأتراك نظام مالي يمكنهم الوثوق به، ستحتفظ الاستثمارات التقليدية بوضعها الثانوي.

وختما قائلين: يمكن لسلطوية أردوغان المفرطة أن تملي الكثير، لكنها لا تستطيع فرض الثقة.
المزيد من المقالات
x