«جسامة الجريمة» و«الصفة القطعية» شرطان للتشهير بالمتحرش

العقوبات الصارمة تكبح جماح السلوكيات المنحرفة

«جسامة الجريمة» و«الصفة القطعية» شرطان للتشهير بالمتحرش

الخميس ١٤ / ٠١ / ٢٠٢١
أكد مختصون أن موافقة مجلس الوزراء على إضافة «التشهير» في نظام مكافحة جريمة التحرش، بحسب جسامة الجريمة، وتأثيرها على المجتمع، على أن يكون النشر بعد اكتساب الحكم الصفة القطعية، خطوة نحو القضاء على تلك الجريمة بكل أنواعها، وحفاظا على النسيج الاجتماعي والقضاء على كل ما يشكل خطرا على أبناء وبنات الوطن.

وأوضحوا في حديثهم لـ«اليوم» أن جرائم التحرش بشتى أشكالها تعد من أكثر الجرائم، التي تترك آثارا نفسية واجتماعية على الأفراد، وإقرار التشهير جاء للردع والحد من جرائم التحرش والأفعال المشينة.


آثار نفسية واجتماعية تمتد لسنوات

قالت الأستاذ المساعد بقسم علم النفس في جامعة الأميرة نورة، د. رسيس العنزي: تعد جرائم التحرش بشتى أشكالها من أكثر الجرائم، التي تترك آثارا نفسية واجتماعية على الأفراد، وتجعل الكثير منهم في معاناة شبه دائمة لتجاوز تلك المواقف، وقد يعاني الضحايا من القلق ونوبات هلع واكتئاب ما بعد الصدمة وغيرها. وللحد من تلك الجرائم، أقر مجلس الوزراء إضافة فقرة في نظام مكافحة التحرش، التي تشمل التشهير بالمتحرشين في الصحف وغيرها، مما يردع الفرد من القيام بمثل تلك الأفعال والجرائم المشينة، ومثل هذه العقوبات لها أثر واضح للحد من السلوكيات غير المرغوب فيها مما يؤدي لتقليص هذه الجرائم، كما يكفل للضحايا حقهم ويساهم في عملية العلاج النفسي وتجاوز الخبرات المؤلمة المصاحبة لتلك الجرائم، فالأنظمة تقوم على تعزيز السلوكيات المرغوب فيها لتكفل مجتمعات فعالة يشعر الفرد فيها بالأمن والأمان، وعقوبة التشهير في المملكة ما هي إلا خطوة للتصدي لأي شيء من شأنه المساس بحياة الفرد والمجتمع.

مكافحة ثقافة «لوم الضحية»

أوضحت الأخصائية والباحثة الاجتماعية ريم العبيد، أن التشهير كعقوبة قد تكون رادعة وزاجرة أكثر من إيقاع العقوبة البدنية أو المادية، بل وتحمي المجتمع من هذا المجرم، لافتة إلى أن المبررات العجيبة المستندة على بعض أعراف وتقاليد المجتمع، التي تكسب المتحرش صفة شرعية بلوم الضحية من حيث لبسها وعملها وأوقات خروجها، تعطي المتحرش الجرأة والقوة ويفوق ذلك بالتباهي بسلوكه الإجرامي في أوساطه ويعتبرها غيره بطولة تثبت رجولته وشجاعته، وهنا يأتي دور كل امرأة أن تؤمن وتثق بقدرة النظام القانوني والأمني بحمايتها وحماية أطفالها في كل وقت وأي مكان وبأي شكل. وأضافت: يبقى على المجتمع الإيمان بأن كل شخص له مسؤوليته التامة لكل أفعاله، فلا تدان العائلة مع ابنها المتحرش، بل يعتبر تشريع العقوبات وتشديدها ضرورة لحماية النسيج الاجتماعي ممن يحاول اختراقه والعبث به، ويكون عامل ردع قوي في تخفيض حالات التحرش.

الوصم يحد من الانحراف

بيَّن المتخصص في علم الجريمة والمشكلات الأسرية د. عبدالعزيز آل حسن، أن التحرش جريمة أخلاقية ولمكافحتها يجب التنوع في وسائل الردع وأساليب العقاب، ولعل إقرار عقوبة التشهير بالمتحرش هي من الوسائل الرادعة، التي تجعل الكثير ممن يفكر بهذه الجريمة، يحجم عنها ويتراجع عندما يفكر في العواقب، التي لن تكون في مصلحته وستلحق الضرر بسمعته وشخصيته وأسرته، وفي المجمل فإن الجريمة تتكون من مجرم وضحية وموقف، فالمتحرش لديه عوامل للتحرش، والضحية قد تكون سببا في استجلاب المتحرش، والموقف قد يكون محفزا لارتكاب الجريمة، لذلك فإن العمل على السبل الوقائية أولى من الوسائل العلاجية، ووفقا لنظرية الوصم فإن الخوف من التشهير بتهمة التحرش كفيل بالردع للمجرم نفسه، ولمَنْ يحاول تكرار ما قام به، فالانحراف عن قواعد الضبط الاجتماعي والثقافة المجتمعية تتم مواجهته من فئات المجتمع بالرفض والتصدي، ومن مؤسسات الضبط الاجتماعي بالتجريم والمعاقبة والإصلاح.

تجنب المساس بسمعة أسرة الجاني

ذكر المستشار القانوني والخبير في القضايا الأمنية محسن الحازمي أن إضافة التشهير لنظام مكافحة جريمة التحرش وسيلة ردع إضافية يمكنها منع تحول الجريمة إلى ظاهرة في مجتمع معروف بمحافظته، وبحرصه على تقاليده واحترامه للغير، ومع كون المتحرش شخصية غير سوية تمتاز بالسلبية واللامبالاة وعدم الاهتمام بتبعية تصرفاتها ونتائجها، وانسياقها الفوري خلف أفكارها اللحظية دون تمعن بالعواقب، صار لزاما التعامل معه كمجرم خطير له توابعه المؤثرة على الفرد والمجتمع على حد سواء، التي تستوجب الردع بشكل مباشر دون تأخير.

وأضاف: عقوبة التشهير تعتبر عقوبة إضافية إلى ما تضمنه النظام من عقوبات أخرى، بحيث يعتبر حكما قضائيا يلجأ إليه القاضي في حال وجد أن مرتكب الجريمة يستحق عقوبة تعزيرية أشد من الحكم الصادر بحقه، بما يعني أن يعاقب بعقوبة التحرش ويضاف إليها عقوبة التشهير، وفق الضرر وجسامته على الفرد والمجتمع، دون أن يتبعه أثر نفسي أو يسيء إلى سمعة أسرة الجاني، وأتوقع تقلص تلك الجرائم بشكل ملاحظ، خاصة بعد أن أثبت النظام فعاليته الكبيرة في الردع والزجر في الآونة الأخيرة.

الحفاظ على كرامة الأفراد

أضاف المستشار الأسري بجمعية التنمية الأسرية بالأحساء عدنان الدريويش: عندما شرعت الحدود في الدين الإسلامي مثل حد السرقة وحد القذف وحدود أخرى، لم يقصد بها أنها سمة سائدة في المجتمع الإسلامي، ولا حتى اعتراف بكثرتها، ولا دليل بأننا أمام خطر كبير، بل هو فقط تنظيم لحياتنا اليومية والاجتماعية ومحافظة على كرامة أفراد المجتمع، وفي الماضي كان سن قانون التحرش حاجة ملحة جداً أمّا الآن فأصبح ضرورة بعد خروج بعض الحالات على وسائل التواصل الاجتماعي والجهر بها أمام الصغير والكبير، فكم من فتاة وشاب أصابتهم مشاكل نفسية نتيجة الاعتداءات اللفظية أو الجسدية، التي تؤلم المجتمع والضحية في وقت واحد، وأن وجود عقوبات واضحة ورادعة كالتشهير بالجاني في الصحف ووسائل التواصل الاجتماعي تجعل المتحرش يفكر ألف مرة قبل أن يقوم بأفعاله الدنيئة، وسيحد بإذن الله من الوقوع فيها.

«جبر الضرر» مطلب قانوني

أشارت المتخصصة في علم اجتماع الجريمة والمستشارة في العلاقات الأسرية والاجتماعية د. الهنوف الحقيل، إلى أن التحرش سلوك يستوجب الحد منه بقوة، وذلك من خلال القوانين الصارمة، للردع وعمل الضبط في المجالين الخاص والعام، وكبح جماح أي سلوك منحرف، ومن جانب آخر لمَنْ يتساهل في ذلك سيعمل اعتبارا لقيمه المجتمعية وخوفه على سمعته واسمه، وهذه العقوبة أقل ما يمكن لما للجريمة من آثار على ضحاياها على الجانبين النفسي والشخصي قد تعرقل مسار حياتها الخاصة والعامة، مناشدة بأن يضاف لها حق «جبر الضرر» على المتحرش به، بأن يتحمل المتحرش قيمة علاج أو تعافي المتحرش به مما تعرض له من خلال ما يسمى «جبر الضرر».

تعزيز الوعي بخطورة الجريمة

أبانت المحامية نورة السلامة أن التشهير عقوبة تعزيرية كالسجن أو الجلد لا يجوز إيقاعها بالمتهم إلا بعد ثبوت التهمة وصدور حكم قضائي نهائي بذلك، وتنفيذ العقوبة منوط بالجهات التنفيذية فقط، وقد كان لإقرار عقوبة التشهير مساهمة وأثر في الحد من انتشار جرائم إصدار الشيكات بدون رصيد وجرائم التستر وغيرها، كما كان للتشهير أثر ملحوظ في زيادة وعي المجتمع والعامة بخطورة هذه الجرائم، وتجاوبهم مع الجهات المعنية المختصة والتبليغ عنها. لافتة إلى أن جواز التشهير في الوسائل الأخرى ومنها الصحف الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي عبر الحسابات الرسمية للجهات المعنية، يعد مواكبة لواقع التطور التقني، بغية تحقيق الغاية المرجوة من إيقاع عقوبة التشهير وهو إيلام المحكوم عليه وردع غيره.
المزيد من المقالات