الكتابة غريزة وفضفضة لا تحوم في دائرة «الترف»

رفع سقف الانفتاح الفكري سبب تطور الإبداع السعودي.. «البطران»:

الكتابة غريزة وفضفضة لا تحوم في دائرة «الترف»

الاثنين ١١ / ٠١ / ٢٠٢١
أعرب القاص حسن البطران عن سعادته بوضع اسمه في مناهج التعليم للمرحلة الثانوية ككاتب للقصة القصيرة جدًا، مؤكدًا أن ذلك يعني أن التاريخ يسجل اسمه ويقدمه لأكبر شريحة في المجتمع بشكل رسمي، وقال إن القصة القصيرة جدًا فن له عمق وفلسفة معينة تختلف عن الرواية، وإنها تتناسب مع إيقاع العصر الحديث، مشيرًا إلى أنه ليس كل مبدع قادرا على كتابتها، وأن المتتبع لحركتها يجد أن كثيرًا من المبدعين الكبار فشلوا في ذلك، ولم يستبعد أن يتجه لكتابة الرواية في الفترة القادمة، لأن بداخله أكثر من رواية تنتظر الفرصة المناسبة لكي تُكتب على الورق.

● لماذا تتمسك بكتابة القصة بالرغم من سطوة الرواية في السنوات الأخيرة؟ وهل سنجدك روائيًا يوما ما؟


الممارسات الإبداعية غريزة وطاقة يمتلكها كل إنسان، ولكنها تختلف وتتشكل من شخص لآخر حسب توافر المعطيات والمناخ والأرضية والخزينة التي يمتلكها كل شخص، ولا تنشط هذه الغريزة بالضرورة عند كل البشر بالرغم من وجودها فيهم، وقد تظهر بصور وأشكال وفنون مختلفة، والبعض تتوافر فيه أكثر من موهبة في وقت واحد، وأرى أن الكتابة الإبداعية هي إحدى هذه الغرائز التي تتمايز من شخص لآخر، وقد تتماثل مع بعض الأشخاص، لكنها حتمًا تظهر بلون ورائحة ونكهة مختلفة تميز كل منهم عن الآخر، وكتابة القصة ممارسة إبداعية تختلف جزئيًا أو كليًا عن كتابة الرواية، وقد تتماثل معها حسب المعطى المخزون، وأنا أكتب القصة القصيرة جدًا مع اعتقادي بأنها فن له عمق وفلسفة معينة تختلف عن الرواية، فالمسألة ليست تنافسية أو موضة لا بد للمبدع من مسايرتها كلما ظهرت على الساحة، بل هي غريزة وفضفضة لا تحوم في دائرة «الترف»، وبداخلي أكثر من رواية تنتظر الفرصة المناسبة لكي تُكتب على الورق وتخرج من عالمي الخاص إلى العالم الخارجي، والرواية جنس آخر له معطياته التي تختلف عن القصة القصيرة جدًا، وهذا لا يمنع أن أكون في قادم الأيام كاتب رواية لأنها حقًا موجودة داخلي، ولكونها جنسًا مغايرًا، وأنا أحتاج لأن أتموج بإمكانياتي، وأحاول أن أمشي بها على أرض متماسكة بعيدًا عن الرمال المتحركة.

إيقاع الومضة

● هل ترى أن «القصة الومضة» أنسب بالنسبة للإيقاع المتسارع للعصر الحديث؟

أختلف معك في المصطلح «القصة الومضة»، وأصر على تسميتها «القصة القصيرة جدًا»، رغم أن هذا المصطلح لم يستقر حتى الآن، وهو في طريقه لأن يكون قاعدة متينة وراسخة من المبدعين والنقاد والمتلقين على اختلاف شرائحهم، وأخذت القصة القصيرة جدًا تغزو الوسط والمسرح والميدان الثقافي بقوة، نعم هي تتناسب وإيقاع العصر رغم وجودها منذ القدم، فهي متأصلة في التراث، وإن كانت بمسميات أخرى، فهي جنس إبداعي متجدد يسير في اتجاهات مختلفة ويساير هذا العصر، عصر اللحظة والومضة والتقافز الإلكتروني، إن صح الوصف.

إبداع مستفز

● لماذا وصفت القصة بأنها «مستفزة»؟

لا بد أن يكون الإبداع مستفزًا وصادمًا ومتعدد التأويلات بشكل عام، مع أن لكل جنس إبداعي مزاياه التي يختص بها وتجعله فارقًا عن الأجناس الأخرى، والقصة القصيرة جدًا جنس قديم متجدد له معطياته المميزة بعناصر تشكله، وبآلية وتكنيك كتابته، وهو جنس عميق بفلسفته المختلفة عن غيره من الأجناس، ولكونها، أي القصة القصيرة جدًا، تتناسب ومجريات وتسارع هذا الوقت، وقت الانفجار في كل معطيات الحياة وحركتها، ويكفي التفجر الإلكتروني الذي كل يوم في حالة، فهي في تطور وابتكار جديد ومستفز.

معطيات فنية

● هل كل أديب قادر على كتابة «الومضة».. أم أن هنالك شروطًا لا بد أن تتوافر في كُتّابها؟

ليس بالضرورة أن يمتلك شخص ما غريزة أو طاقة أو موهبة القصة القصيرة جدًا، رغم أنه يكتب أجناسًا أخرى ربما أكثر تعقيدًا منها، فكل جنس لا بد أن تتوافر في مبدعه معطيات معينة، وإن كانت هذه المعطيات سهلة وبسيطة، ومن وجهة نظري ليس كل مبدع قادر على كتابة القصة القصيرة جدًا، فكثير من المبدعين الكبار فشلوا في كتابتها، والمتتبع لحركتها وانتشارها يعي ويتوافق معي فيما أقوله.

إطار التجريب

● لماذا تلجأ إلى التجريب للتعبير عن أفكارك؟

تجربتي في كتابة القصة القصيرة جدًا تؤكد أن فلسفة التجريب ما زالت موجودة فيها، وهذا الجنس فن من سماته أنه ما زال وسيظل التجريب فيه قائمًا، ومن يقرأ كل مجموعاتي القصصية سيجد بصمة خاصة بي، وأنا حقًا ألجأ إلى التجريب فيما أريد إيصاله إلى المتلقي من أفكار من خلال إطارات متعددة ومتداخلة أحيانا.

لحظة فارقة

● الملاحظ أن الكثير من قصصك تعتمد على لحظة واحدة فارقة.. كيف تختار هذه اللحظة للكتابة عنها؟

لا يختلف مبدع عن آخر إلا بوجود علامة فارقة ومغايرة تميزه عن غيره، وكأنك تسألني هنا عن طقوسي في الكتابة القصصية وكيفية اقتناص الفرصة، واختياري للحظة الكتابة يبقى محاطًا بظروف خاصة بي لا تتعلق بالمكان أو الزمان، ووجود هذه الطقوس يبقى حتميًا لا يمكن أن يهرب أي مبدع من إطاره.

شهرة مارية

● «مارية وربع من الدائرة» هي المجموعة العاشرة من بين إصداراتك لكنها حققت شهرة أكبر من سابقاتها.. لماذا؟

«مارية وربع من الدائرة» الإصدار قبل الأخير من إصداراتي، وهي من المجموعات التي ما زالت تخضع لأسلوب التجريب الذي أتبعه في كتاباتي، ومن الطبيعي أنه كلما زاد إنتاج المبدع وانتشر اسمه في جنس معين فإن إنتاجه التالي يزيد انتشارًا وشهرة، فكل نتاج يزداد انتشارًا عن النتاج السابق له، وأعتقد أن شهرة المجموعة جاءت من سابقاتها، لكنها اختلفت عنها بكثرة التجريب فيها، كذلك قسّمت القصص فيها إلى حزم، وكل حزمة بها مجموعة من القصص.

المناهج التعليمية

● تضمنت مناهج التعليم بالمملكة اسمك ككاتب قصة قصيرة جدًا.. كيف كان شعورك؟

كم كانت فرحتي وسعادتي حينما وصلني خبر وجود اسمي في المناهج، كون التاريخ يسجل اسمي ويقدمه لأكبر شريحة في المجتمع بشكل رسمي وبآلية متقنة وفي إطار تعليمي، فهذا ليس بالانطباع والشعور الذي يسهل وصفه، فالشعور يبقى مختلفًا بكون اسمي بارزًا في مناهج التعليم للمرحلة الثانوية، وهي أعلى مرحلة دراسية قبل التعليم الجامعي.

انتشار عالمي

● كيف ترى ترجمة قصصك للغات أجنبية متعددة؟ وهل يلقي هذا عليك مسؤولية ما؟

انتشار الإبداع هدف كل مبدع وغايته أيًا كان هذا الانتشار، والترجمة للغات أخرى غير العربية انتشار له نكهة ولون مغاير، وهذا لا يعطيك ثقلا في المسؤولية فحسب، بل يزيدها ويحتاج لتعزيز التعمق في الإبداع، ولا بد أن تقنع المتلقي غير العربي بهذا النتاج الذي ربما يندر توافره لأشخاص آخرين بالرغم من جودة أعمالهم مقارنة بأعمالك، وأرى أن ترجمة قصصي إلى لغات أخرى كانت مقنعة للمترجم والجهة التي أشرفت عليها، رغم أنني أنظر إلى تجربتي على أنها ما زالت في مرحلة وطور «الحبو» الإبداعي.

تطور الأدب

● الأدب النسوي في المملكة وصل إلى أعلى مستوياته.. فكيف ترى تقسيم الأدب إلى رجالي ونسوي؟

نعم أتوافق معك في تطور الأدب السعودي بشكل عام، رجالي ونسوي حسب تعبيرك، وهذا التطور جاء نتيجة القفزة التطويرية التي تشهدها المملكة في كافة المجالات، وفي ظل تذليل الصعاب ورفع سقف الانفتاح الفكري، ومن الطبيعي أن يقفز الأدب السعودي وينافس الأدب العربي، ويتفوق عليه في بعض الأجناس، ولكني لا أميل إلى التقسيم إلى رجالي ونسوي، فالأجدر هو الاهتمام بالتعمق، وإن قُسّم فليس هنالك من فلسفة تدعو إلى التقليل من شأنه، بل ربما تعطي دافعًا للتنافس والتعمق والتطور والانتشار الذي يخدم الإبداع السعودي بشكل عام وخاص.

مستقبل واعد

● كيف تقيم مستوى الحركة الأدبية في المملكة ؟ وكيف ترى مستقبلها؟

لا أملك كل مقومات التقييم والمقارنة، ولكن انطباعي عن الحركة الأدبية في المملكة أنها وصلت خلال السنوات الأربع الأخيرة إلى مستويات عليا مقارنة بالسابق، وهذا أمر طبيعي في ظل المعطيات الممنوحة من الدولة، وهي تسير بشكل تصاعدي، وهذه المعطيات تنبئ بمستقبل واعد وقوي للإبداع السعودي في كافة المجالات.
المزيد من المقالات